كساد الخضراوات: الأزمة حاضرة والحلول غائبة

26.07.2021 02:12 PM

وطن- عبد الباسط خلف

خصصَّ المزارع عبد الناصر عبد الرازق في سهل البقيعة 300 دونم للبطاطا بالأغوار الشمالية، لكن كساد المحصول اضطره للتخلي عن 80 دونمًا منها. لقد أكلته الحسرة عندما أتلف ما كسد عقب تدني الأسعار.

وبلغة الأرقام، يُكلف كل دونم بطاطا نحو 3500 شيقل، وينتج قرابة 6 أطنان، ويتوجب بيع الصندوق بـ( 25 –30 (  شيقلًا حتى لا يخسر المزارع، بَيد أن السعر تدّنى في العام الحالي إلى أقل من 15 شيقلًا؛ فيما زادت المساحات في محافظة طوباس والأغوار الشمالية وحدها بـ 3000 آلاف دونم، كما ارتفعت في جنين، وطولكرم بشكلٍ يفوق استيعاب السوق المحلي.

ووفق عبد الرازق، فقد لازمَ تدنى الأسعار هذا الموسم، وفي المواسم السابقة، وعصفَ بمحاصيل البصل، والشمام، والبطيخ، والكوسا، والبندورة، والخيار، ما يعني تراكم المزيد من الديون على المزارعين، الذين لجأ قسمٌ منهم إلى تخزين البطاطا في الثلاجات بكميات كبيرة، على أمل تحسن الأسعار، لكن الطن الواحد يحتاج تخزينه إلى نحو 120 شيقلًا شهريًا.
ولخصّ عبد الرازق الأزمة التي يواكب مستجداتها مراسل "آفاق البيئة والتنمية" بالقول: "الزراعة على كف عفريت. ما أن تنتهي من ضربة حتى تدخل في أزمة أشد".

قصر عمر المنتجات الزراعية
بدوره عقّب طارق أبو لبن الوكيل المساعد للقطاع الاقتصادي في وزارة الزراعة، على انخفاض أسعار الخضروات بقوله: "على ما يبدو أنها مسألة عالمية ناجمة عن العمر التسويقي القصير للمنتجات النباتية والحيوانية وسرعة تلفها، وما تنطوي عليه من مرونة في الطلب وتذبذب في الإنتاج، ناهيك عن عدم القدرة على تحديد أسعارها أو ضبط الأسواق بفعل دخول منتجات الاحتلال".
وبيّن أن حساسية أسعار الخضروات المتدنية لا تقتصر على فلسطين، والدليل حسب رأيه، أن المنتجات المٌصنّعة تسلم من "تذبذب الأسعار؛ لطول عمرها الافتراضي، فيما الخضراوات متذبذبة أكثر في الإنتاج".

وانتقد ما وصفه بـــ عشوائية التخطيط لدى الكثير من المزارعين، موضحًا: "هناك تكرار ملحوظ لما ينجح في المواسم السابقة وعزوف عن زراعة المواسم "الفاشلة"، ما يتسبب بمشكلةٍ نتيجة الوفرة الزائدة في المحاصيل الرائجة، أو الندرة للمنتجات التي لا تلقى طلبًا، كما ينتكس المنتوج أحيانًا لارتباطه بالتسويق غير المضمون في الداخل المحتل، مما ينعكس على ربحية المنتجات".
وأشار إلى أن مشكلة جزء من الفلاحين "الاقتداء بالجار الأقدم"، وهو نمط نجده في العالم كله، وله تداعياته السلبية. ويضيف: "الجائحة وجولات العدوان المتتالية أدتا إلى تراجع التسويق في الداخل المحتل، وتمركزه في الأسواق المحلية، وكانت النتيجة هذا الفائض.

"الوصول إلى حلٍ لتدني الأسعار سهل نظريًا صعبٌ عمليًا"، يقول أبو لبن، مواصلاً في السياق نفسه: "نحتاج إلى عملٍ تشابكي، كما أن التخطيط الجيد محكوم بالعرض والطلب، وبالتمييز بين السوق المحلي والسوق في الداخل المحتل، أو الأسواق الخارجية".
ويضع الوكيل المساعد، يده على المشكلة؛ إذ تكمن على وجه التحديد في عدم تناسب زيادة الاستهلاك المحلي من السلع الزائدة عن الحد في ذروة الإنتاج مع الأسعار التي تنخفض بنسبة أكبر، ذلك أن السوق في هذه الحالة يصبح عاجزًا عن استيعاب المنتجات المختلفة وبالتالي تنخفض الأسعار.

ويقترح أبو لبن لحل الأزمة المتجددة، التوجه نحو الزراعات التعاقدية مع الداخل، والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة في تسويق المنتجات عربيًا ودوليًا، أو في أوروبا التي أعفت المنتج الفلسطيني من الجمارك.

وأردف قائلاً: "أكثر من 75% من الفواكه نستورده، إلا أن "لوجستيات" ما بعد الحصاد، كالفرز والتعبئة في الحقل، والحفاظ على سلسلة التبريد للمنتج، تعد مكلفة مقارنة مع معظم الخضراوات، وتقابلها قدرة عالية على استيعاب كميات كبيرة من البطاطا لمدة طويلة، حال هبوط أسعارها، في الثلاجات".

والتخطيط الجيد، تبعًا لحديثه، ضمانة لـتقليل "اختناقات الخضراوات التسويقية"، والحفاظ على معدلات أسعار معتدلة طوال العام، وحل مشكلة تأثر المنتجات قصيرة الأجل بالعوامل الجوية، واستيعاب الفائض وسد النقص.
سألناه عن دور الوزارة في حل مشكلة الفائض والتحول إلى زراعات أكثر ربحية، فقال إن "الزراعة" ضاعفت من مساحات الفواكه كما حدث في جنين، التي يشهد عنبها انتشارًا بشكل سريع، ويحقق ربحية أعلى، أو في الليتشي والجوافة والأناناس والحمضيات في طولكرم وقلقيلية.

وأكد أبو لبن أن الجمعيات والاتحادات الزراعية يمكنها أن تكون جزءًا من الحل، بالمساهمة في حل مشكلة تدني الأسعار وغياب التخطيط، وزيادة الأرباح بالتسويق والتعاقد الجماعي.

الحل: إنهاء الفوضى
من جهته، حصر عاهد زنابيط، مدير الإغاثة الزراعية في شمال الضفة الغربية حل المشكلة التي باتت متكررة في تنظيم الزراعة، وإنهاء حالة الفوضى التي يعيشها العاملون في هذا القطاع.
وذكر أن الإجراء العملي يتطلب إرشاد الفلاحين وتنظيمهم والتوقع المستقبلي لأحوال السوق، وأن تدرس وزارة الزراعة حالة الأسواق، وانخفاض الأسعار خلال السنوات السابقة.
وبدا زنابيط صريحاً في رأيه عندما قال: "التنظيم مسالة ممكنة بالإجبار، كأن تمنع الجهات المعنية زراعة المساحات بشكل عشوائي وتقيدها بأصناف محددة، وتبني نمط الأسواق المركزية للخضراوات".

وشدد على ضرورة حماية المزارعين والمستهلكين على حدٍ سواء، عبر تحديد أسعار السلع من وزارتي الزراعة والاقتصاد الوطني، بشكلٍ يُنصف المزارع بعدم تدني الأسعار من جهة، ويحمي المستهلك بالمحافظة على أسعار معتدلة من جهة أخرى، مع تشجيع الطرف الأول على الالتزام بالمساحات المحددة، والتوجه نحو "التنميط"، والكف عن مبدأ التوقع والاحتمال والمغامرة.
ويتبادر إلى زنابيط مثال صندوق الخيار الذي يكلف إنتاجه 15 شيقلًا، في حين يمكن بيعه بـ 25 شيقلًا بالحد الأدنى، مضيفًا: "الأمر ليس صعبًا، ويُفترض أن لدى وزارة الزراعة دراسة واضحة بهذا الخصوص، كونها الجهة المسؤولة عن حماية المزارع".
وتوقع أن يستمر الدوران في "حلقة مفرغة" طالما استمرت العشوائية، ما يعني تكبد الفلاح المزيد من الديون، وإبقائه رهينة للأحوال الجوية وللعرض والطلب.

وحمّل المسؤولية للمزارعين أنفسهم في جزء من المشكلة، وعلى وجه التحديد أولئك الذين تنقصهم الخبرة الكافية، وتتراكم عليهم الديون، فلا يتحولون لزراعة أنماط جديدة لتكلفتها المرتفعة، ويعجزون عن التوجه إلى مهن أخرى.
وأشار إلى أن "الإغاثة الزراعية" في محاولة منها للمساهمة في إنهاء الأزمة من جذورها بالاستغناء عن منتجات الاحتلال، تنفذ حاليًا "مشاهدات" في 24 موقعًا تمتد على 35 دونمًا في الضفة الغربية لزراعة فاكهة استوائية.

يقول: "نحاول التعرف على المناطق التي تتقبل إدخال أصناف جديدة كالجوافة، والمانجا، والأفوكادو، والقشطة، الأمر يتطلب جرأة لأن الإنتاج يحتاج خمس سنوات، ولا نتوقع من المزارعين التزامًا وصبرًا على وضع كهذا، بسبب الظروف القاهرة التي يعيشونها".
وأكد أن تفعيل قانون التأمينات الزراعية، الذي يشبه تأمين المركبات من شأنه أن يحل جزءًا من الأزمة، ويحمي من تقلبات الظروف الجوية وتذبذب الأسعار، ويشجع على تنويع المحاصيل.
ووفقًا لزنابيط، فإن "الإغاثة الزراعية" نفذت العام الماضي حملات لتسويق الخيار في فترات كساد أسعاره بنقله مجانًا إلى محافظات أخرى لا يتوفر فيها، كما اشترت جزءًا من المحصول ووزّعته على التجمعات التي عانت من الإغلاقات بعد جائحة "كورونا".

التنويع الزراعي
من جانبه، يرى الخبير الزراعي والتنموي، المهندس مازن غنام أن مفتاح الحل الإستراتيجي لتدهور الأسعار يبدأ بتنظيم صفوف المزارعين، وما لم يحدث، ستستمر الأزمة، التي نضمن حلها بمنع وقوعها لا بمجرد معالجتها.
وقال: "يدرك الفلاحون أن مصدر رزقهم يطاله التهديد فقط عندما تعصف الأزمات بهم، إلا أنهم من دون توحيد صفوفهم في إطار قوي كجمعيات أو نقابات أو جسم قوي، لن يجدوا حلًا لمشكلة تدني أسعار محاصيلهم، وستستمر الأزمات في سحقهم".
ولا يندهش غنام من أن القطاع الزراعي في العَالم غني ما عدا فلسطين، فالعاملون فيه فقراء "ليس لسببٍ فني، بل لأنهم غير قادرين على إدارة شؤونهم".

وعزا السر في نجاح التسويق الزراعي في العالم، إلى تمكن الفلاحين من تنظيم أنفسهم، كما في تركيا وإيطاليا وقبرص التي تسنى له زيارتها، فشاهد بأم عينه مدى تنظيمهم وتفاديهم للعمل العشوائي.
وأضاف: "أحزن حين اشترى الخضروات في مواسم الكساد. أن يبيع المزارع كليو البطاطا للمستهلك بشيقلين يعني خسارة باهظة، وإثقاله بديونٍ جديدة".

وبما أن اقتصاد فلسطين يعتمد في جانب كبير منه على الزراعة، فإن ذلك سيضر بكل قطاعاته إذا لم يتوصل المعنيون لحلول جذرية لأزمة الفلاحين، لأن "الحلقة الاقتصادية لن تدور من دونهم".

وتبعًا لغنّام، فإنه يضع على الطاولة خيارًا يتمثل في تنويع محاصيل، موضحًا: "الفواكه في فلسطين نستوردها كلها عدا العنب، وبالتالي تُباع للمواطن بأثمان مرتفعة، برأيّ أن إستراتيجية التنويع الزراعي جديرة بتوفير حلول للأزمات المتتالية، كونها تمنح الفلاح تنوعًا في المواسم والأسعار، وتدّر دخلًا على مدار العام.

وقال: "استنفاذ الطاقة الاستيعابية الكاملة للزراعة يؤدي إلى فائض في الإنتاج وزيادة في الخسائر".
وبناءً عليه طالب بتخصيص "كوتا" لكل مزارع تحدد المساحات المسموح بزراعتها، أو الثروة الحيوانية الممكنة، وهو ما طبقته جمعية التسويق الزراعي عام 1992، بتوزيع حصص للمزارعين، إذ نجحت في رفع أسعار كيلو الزيت من 85 قرشًا أردنيًا إلى 185 قرشًا عقب تصديره إلى إيطاليا.

ودعا غنّام إلى بناء الثقة بين المزارعين والمؤسسات العاملة في هذا القطاع.
وجدير بالذكر أن نسبة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي تقل عن 10%، إذن من الواضح أن تنظيم القطاع الزراعي بات حاجة مُلّحة.

معادلة معقدة
تحدثنا مع علاّم خلوف، مدير شركة جنات للتسويق الزراعي، الذي أفاد أن "معادلة كساد الخضراوات معقدة"، فقد لازم انخفاض السعر الحاد للبندورة مدة عامين، ثم ارتفع فجأة إلى 80 شيقلًا للصندوق الواحد، إنه أقرب مثال يستهلّ به.

ووفق خلوف، فإن اللفت، والبندورة، والكوسا، والخيار، والبطاطا، والملفوف لازمها الانخفاض الحاد في الأسعار، في حين أن الخيار بقي "الثابت الوحيد" في سعره منذ 30 عامًا، إذ لم يشهد في العموم أي هزات، وهو من المحاصيل التي تُصدّر إلى الداخل المحتل.
وشخّص حال قطاع الزراعة على النحو التالي: "ليس محميًا، ويغيب عنه التنظيم، وفوضوي، ومبني على تقليد المزارعين لبعضهم، ويشهد فائضًا دائمًا في الإنتاج بفعل الزيادة الكبيرة في الآبار العشوائية التي ضاعفت من عرض السلع بشكل كبير جدًا".

ولعل الفترة القصيرة لصلاحية المنتج الزراعي تفاقم أزمة تسويقه، وتًعقد من فرض تسعيرة موحدة له، كما يقول مدير "جنات"، ناهيك عن الافتقار إلى أرقام دقيقة عن حجم كل صنف في المساحات المزروعة، مما يشدد الخناق على هذه الأزمة.

 

 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير