لتكن القدس عنوان التحدي الوطني لا لوضع مصير الانتخابات بيد الاحتلال

14.04.2021 11:11 AM

كتب: هاني المصري

حتى قبل أسابيع قليلة، كان الجو السائد حول الانتخابات في القدس بأنه في حالة رفضت سلطات الاحتلال إجراءها في المدينة المقدسة، فهناك بدائل يمكن اللجوء إليها، مثل بديل تحويل مسألة الانتخابات إلى معركة مع الاحتلال، والإصرار على إجرائها رغمًا عنه عبر وضع الصناديق في مدارس الأونروا ومكاتب الممثليات الأجنبية والدولية إذا وافقت، وفِي الكواليس كان يتداول إمكانية إجرائها إلكترونيًا أو في ضواحي القدس.

من جهتي، اقترحت في مقالات سابقة، وفي حوار القاهرة في شباط الماضي، وضع صناديق الاقتراع في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة والمدارس، والاستعداد للاقتراع رغمًا عن الاحتلال الذي سيحاول أن يمنع ذلك، وقد ينجح بفعل عناصر القوة والإجبار، ويكفي في هذه الحالة أن تخاض المعركة بأقصى ما يمكن، وإظهار إسرائيل على حقيقتها كرافضة لممارسة الفلسطينيين لحقهم الانتخابي في وقت تدعي فيه أنها واحة الديمقراطية في الصحراء العربية القاحلة.

وإذا اختار الاحتلال منع إجراء الانتخابات ستؤسس الشرعية الجديدة على الوحدة الوطنية، والتمسك بالأهداف والحقوق، وعلى اعتماد المقاومة الشاملة عبر قرارات وطنية تحدد الشكل والوقت المناسبين.

وهنا، يمكن الاستفادة من الحرج الأميركي الناجم عن وجود إدارة أميركية ديمقراطية تطالب بإجراء الانتخابات في كل مكان في العالم، وتقف وراء إسرائيل إذا قررت منعها في فلسطين، مع أن السياسة الأميركية الإسرائيلية المتبعة حتى الآن عدم منح القيادة الفلسطينية الذريعة لإفشال الانتخابات بإصدار قرار الرفض الإسرائيلي المدعوم أميركيًا، بحجة أن حركة حماس ستفوز في الانتخابات، مع أنهم يعرفون أن نظام الانتخابات المعتمد يحول دون فوز أي قائمة بالأغلبية، ولكن المتغيرات التي حصلت أثناء العملية الانتخابية بترشح عدد كبير من القوائم، منها قوائم وازنة، سيغير تشكيلة المجلس التشريعي ليكون تعدديًا، ويمكن أن يحول دون استمرار وشرعنة الانقسام، ويفتح الباب لإنهائه، وهذا آخر ما تريده إسرائيل وأميركا، فهما تريدان انتخابات تبقي الفلسطينيين في دائرة الانقسام والضعف، لكي تتواصل عملية ترويضهم للقبول بالحل الإسرائيلي الجاري فرضه على الأرض بشكل يومي، أو التعايش معه.

كما أيدت الاقتراح الذي قدمه حزب الشعب قبل أشهر عدة، والقاضي بتعديل قانون الانتخابات، بحيث يشمل تحديد مراكز اقتراع في مدينة القدس أسوة ببقية المناطق، والاستعداد لخوض هذه المعركة. ولم يتم الأخذ بهذا الاقتراح مع القول في الكواليس إن هناك بدائل إذا رفضت سلطات الاحتلال، مثل دعوة المقدسيين إلى التصويت في ضواحي القدس أو التصويت الإلكتروني. أما الآن، فبات من يتحدث عن البدائل المذكورة أو تحويل الأمر إلى معركة مع الاحتلال يوصف بالنشاز والخارج عن الصف الوطني.

فجأة، ارتفع شعار لا انتخابات من دون القدس، مع الحديث مجرد الحديث عن خوض المعركة لفرضها على الاحتلال من دون أن نشهد معركة ولا ما يحزنون، وهذه مسؤولية الجميع وليست القيادة فقط، مع أنها تتحمل المسؤولية الأولى لأنها تملك الصلاحيات والإمكانيات والتفويض، وذلك لأن الاحتلال لم يصدر الموافقة على الانتخابات في القدس، مع أنه اتخذ خطوات توحي بأنه لن يوافق على إجرائها، مثل تعطيل وصول البعثات المراقبة الأجنبية التمهيدية ورفض أي نشاط انتخابي، من دون صدور قرار رسمي إسرائيلي بمنع الانتخابات في القدس، مع أن منسق الإدارة المدنية التابعة للاحتلال قبل ترك منصبه أوصى بمنع الانتخابات في القدس.

قبل أن أعرض حلًا لا بد من القول إن البروتوكول الذي اتُفق عليه في أوسلو حول الانتخابات في القدس، والذي يتم تصويره بأنه الحل الأمثل مهين ومعيب، فهو يحدد إجراء الانتخابات في خمسة مراكز بريدية إسرائيلية كما جرى في أول انتخابات، ثم رفع العدد إلى ستة مراكز، على ألا يزيد عدد الناخبين على 5700 في العام 1999، و6300 في العام 2006، مع ممارسة أجواء ترهيب حول مراكز البريد، وترويج إشاعات بأن من ينتخب فيها سيخسر إقامته أو امتيازات يحصل عليها، الأمر الذي جعل عدد الناخبين في هذه المراكز لم يصل إلى الحد الأقصى المسموح به، فقد تراوح العدد بحوالي 3 آلاف ناخب في كل مرة، أي لا يتجاوز 5% من الذين يحق لهم حق الاقتراع في المدينة، من دون تواجد ممثلين عن لجنة الانتخابات، ولا مراقبين محليين أو عرب وأجانب، أي ينتخب المقدسيين وكأنهم جالية أجنبية في بلد آخر، مع أن الجاليات الأجنبية عادة تمارس الانتخابات في سفارات وقنصليات بلدانهم، أي أن الصيغة التي تم التعامل بها وكأنها مقدسة وتحقق فلسطينية القدس هي ليست كذلك أبدًا.

ومع ذلك، هناك حل اقترحه كما يأتي:

أولًا: التزام الجميع أولًا بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني بالمواعيد المحددة.

ثانيًا: قيام القيادة بدعم جماعي فلسطيني ببذل كل ما يمكن عبر اللجوء إلى مجلس الأمن والهيئات الدولية وإلى الدول المؤثرة على إسرائيل، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، لإقناعها بإجراء الانتخابات وفق الصيغة السابقة، مع رفع عدد مراكز البريد إلى 18 وفق المقترح الذي جرى تداوله، على أن يكون هذا الأمر لآخر مرة، بحيث يتم إدراج القدس لاحقًا كبقية المدن الفلسطينية في الأراضي المحتلة العام 1967.

ثالثًا: الاستعداد فعلا إذا رفض الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس، وتحويل الانتخابات فيها إلى معركة مع الاحتلال، كون النية الإسرائيلية بعدم السماح بإجرائها واضحة، وهذا يقتضي توفير كل ما هو ممكن لتنظيم هبة شعبية على غرار المواجهات الناجحة في معركة البوابات الإلكترونية، خصوصًا في ضوء ما يجري حاليًا في القدس من اعتداءات، وتكثيف إجراءات التهويد والأسرلة.

وفي هذه الحالة، قد ترفض سلطات الاحتلال وقد توافق على إجراء الانتخابات على غرار المرات السابقة؛ خوفًا من تدحرج الموقف إلى موجة انتفاضية. لكن على الفلسطينيين في كل الحالات الاستعداد للشروع في الدعاية الانتخابية مع مستهل الشهر القادم، والاستعداد لوضع مراكز الاقتراع في المدارس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، ومحاولة الاقتراع فيها، وهذا مشهد يعطي شرعية تمثيلية أقوى مليون مرة من الصيغة السابقة، وحتى لو منعت سلطات الاحتلال المحاولة بالقوة من خلال وضع اليد على الصناديق واعتقال أو حجز القائمين على هذا العمل، فيجب تكرار المحاولة.

من يريد تحويل الانتخابات في القدس إلى معركة مع الاحتلال لفرضها عليه كان عليه أن يقوم بذلك مسبقًا، وبمقدوره أن يبدأ بها فورًا، فلا يزال هناك وقت، وهذه مسؤولية القيادة أولًا، والفصائل والقوائم المرشحة ثانيًا.

أما إذا لم يحصل كل ذلك، ويقتصر الأمر على بعض الاتصالات والمطالبات من دون تحركات ميدانية واستعدادات لفرض الانتخابات فسيكون شعار لا انتخابات بدون القدس مجرد حق يراد به باطل، وذريعة لعدم إجراء الانتخابات خشية من نتائجها المحتملة بعد ترشح 36 قائمة، بينها عدد من القوائم الوازنة، بحيث لا أحد يستطيع الآن التحكم بها وضمان نتائجها.

وأخيرًا، أي بحث في مسألة الانتخابات في القدس وغيرها لا يجب أن يقتصر على الفصائل أو على صيغة الأمناء العامين، بل يجب أن تشارك فيه القوائم المرشحة، خصوصًا التي لا توجد فصائل تمثلها.

الخلاصة

إذا تم وضع مصير الانتخابات بيد الاحتلال فهذا يعني أن لا انتخابات ستجري إلا إذا كانت تحقق مصالح الاحتلال، وهي تتحقق من خلال تكريس سلطة الحكم الذاتي والتزام الفلسطينيين بالتزاماتهم المترتبة على اتفاق أوسلو من جانب واحد، مع أن الحكومات الإسرائيلية لم تعد ملتزمة بالتزاماتها في أوسلو منذ زمن بعيد، وعلينا ألا نلتزم ونجعل الانتخابات جزءًا من المعركة ضد الاحتلال (كما فعلنا في الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية والحصول على العضوية المراقبة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة).

وهذا يتطلب الاستعداد أيضًا من خلال وضع خطة لإنهاء أوسلو والتزاماته كمقدمة لإنهاء الاحتلال وإنجاز الحرية والسيادة والاستقلال، الذي لن يأتي عبر الديبلوماسية والمفاوضات، وإنما عبر الجمع بين العمل السياسي والمفاوضات في الوقت المناسب بعد تغيير موازين القوى، والاتفاق على مرجعية ملزمة لها، والكفاح والمقاومة الشعبية التي تشمل المقاطعة وتنظيم الانتفاضات التي تكبر وتتواصل واحدة إثر أخرى حتى يتم دحر الاحتلال.

كما أن إجراء الانتخابات التي تعطي شرعية شعبية للسلطة وتقويها وتفتح أبواب التغيير الممكن والإصلاح المطلوب، عبر قيام حكم رشيد فعال؛ يعطي للقدس ما تستحقه من مكانة وأهمية وأولوية تساعدها على إحباط المخططات الإسرائيلية، وهذا أفضل من عدم إجراء الانتخابات وبقاء السلطة بشرعية متآكلة بلا مجلس تشريعي يقويها ويسائلها، ويحاسبها، ويمنح الثقة، أو يمنعها عن الحكومة، أو عن أي وزير لا يكون على قدر المسؤولية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير