حصيلة النكبة ومستقبل التسوية..علي جرادات

16.05.2013 11:53 AM
"الاستيطان جوهر الصهيونية". هكذا كثف شامير ببساطة رؤية المشروع الصهيوني الرامي -منذ البدء- إلى استيطان أرض فلسطين وتهويدها وتفريغها من أصحابها. وبوقوع النكبة قبل 65 عاماً صار شعار تحرير الأرض وعودة اللاجئين إليها جوهر المشروعين القومي العربي والوطني الفلسطيني. لكن هزيمة العام 1967 واحتلال أراضي الضفة وغزة وسيناء والجولان طوت هذا الشعار لمصلحة البحث عن تسوية لاستعادة هذه الأراضي في إطار مؤتمر دولي تحضره أطراف الصراع كافة وتشكل هيئة الأمم وقراراتها ذات الصلة مرجعيته.

تفرد السادات بنتائج حرب العام 1973 وقزم انتصارها في صفقة ثنائية استرد عبرها سيناء دون سيادة كاملة عليها، مدشناً بذلك سياسة، (نهج)، البحث عن تسويات "الأرض مقابل السلام" عبر المفاوضات الثنائية المباشرة برعاية أمريكية التي صارت سياسة رسمية عربية عامة منذ أطلقها "مؤتمر مدريد للسلام" عام 1991.

بعد 10 سنوات من هذه المفاوضات ثبت عقمها، حيث راوحت مكانها على المسار السوري، وعمقت استيطان الأرض وتهويدها على المسار الفلسطيني. هنا انفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول 2000، لكن النظام الرسمي العربي بدل أن يدعم هذه الانتفاضة كفعل ميداني، ويتبناها كخيار سياسي أطلق في بداية العام 2002 "مبادرة السلام العربية" خياراً إستراتيجياً وحيداً لاستعادة الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في غزة والضفة بما فيها القدس الشرقية وإيجاد "حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين وفقاً للقرار الدولي 194"، مقابل الاعتراف بوجود إسرائيل وأمنها وتطبيع العلاقات العربية معها.

والأنكى هو أنه بعد 20 عاماً من هذه المفاوضات العقيمة، وبعد عامين من انتفاضات الشعوب العربية، وبدل أن تنفذ جامعة الدول العربية تهديدها المتكرر بسحب مبادرتها أو أن تواصل التلويح به على الأقل استغلت "لجنة متابعة المبادرة العربية" ثغرة، بل خطيئة، الموافقة الفلسطينية على "تبادل الأراضي"، وحولتها إلى موقف رسمي عربي عام تجاهل الجولان السوري وتناسى أن إسرائيل التي صارت تملك وتستغل وتسيطر على 85% من أرض فلسطين التاريخية لن تتعامل مع هذا التنازل- الخاطئ كمبدأ والمتسرع المجاني كتكتيك تفاوضي- إلا بوصفه شرعنة للكتل الاستيطانية في الضفة والقدس. بل وتناسى أن إسرائيل هذه لن ترى في هذا التنازل سوى مقدمة لمطالبة الجامعة العربية، بدعم أمريكي، "بالتطبيع قبل التوقيع"، وبشطب حق العودة مستغلة أن "إيجاد حل......ومتفق عليه لقضية اللاجئين" في "مبادرة السلام العربية" قد هبط أصلاً عن المطالبة بهذا الحق وحوله إلى مجرد مشكلة تُحل بالتفاوض فيما يعلم الجميع أن ألوان الطيف السياسي الصهيوني لا تُجمع على أمر مثلما تُجمع على رفض حق العودة الذي بالتمسك به-فقط- ينتفي مطلب "إسرائيل دولة للشعب اليهودي" الذي صار العمل على تحقيقه الناظم والمحرك الأساس لسياسة الأحزاب الصهيونية كافة، سيان: بوصفه شرطاً لاستئناف المفاوضات كما يطالب نتنياهو أو بوصفه نتيجة لها كما يطالب كل من أولمرت وليفني وبيرس. وكل هذه التنازلات مطلوب أن يقدمها "قديم" و"جديد" النظام الرسمي العربي على أمل أن تتمنى إدارة أوباما على نتنياهو-دون ضغط طبعاً- تقديم خارطة حدود للدولة الفلسطينية. بهذا نكون أمام فاتحة تنازلات رسمية عربية كبرى لقاء أمل ستثبت الأيام القادمة أنه مجرد وهم ليس إلا. أما لماذا؟

بهذا المضمون للتسوية وثمن وآلية التوصل إليها يصبح مستقبلها رهناً بما ينفذه طرفا الصراع وراعي تسويته، بحسبان أنه لن يهبط من السماء، بل سيصاغ- أساساً- وفقاً لميزان القوى ولما تصنعه أطراف الصراع في الحاضر المترتب بدوره على فعلها في الماضي. نقول أساساً، وليس كلياً، لأن ثمة احتمالاً لأن تشهد المنطقة أحداثاً وتطورات تفاجئ أطراف الصراع وكل باحث-مثلنا- في علم مستقبله. لكن استشراف هذا المستقبل يقتضي -في الحالات جميعاً- تقديم إجابة عن سؤالين أساسيين، هما: لماذا أفشل قادة إسرائيل محاولات عقود من المفاوضات لتسوية الصراع؟ ولماذا لم تمارس الإدارات الأمريكية المتعاقبة ضغطاً جدياً يجبر إسرائيل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية التي توفر لها فرصة إقامة سلام على أساس العدل "الممكن"، ويجنبها الرضوخ لسلام على أساس العدل "التاريخي"؟ يحيل البحث في هذين السؤالين إلى أن قادة إسرائيل لم يكونوا يوماً في وارد القبول بفكرة الحل القائم على التقسيم، وإلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم تكن يوماً في وارد ممارسة ضغط جدي عليهم لأنها لا تريد، وليس لأنها لا تستطيع. هكذا أجابت التجربة العملية التي يجب ألا يصدق أحد غير ما أكدته من دروس.

عليه، كيف للمرء أن يأمل في إمكان إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 عبر تقديم المزيد من التنازلات في مفاوضات تعمل إسرائيل، بدعم أمريكي وتعاطٍ رسمي عربي وفلسطيني، على استئنافها دون شروط مسبقة. هذا فيما يصر قادة إسرائيل على انتزاع الاعتراف بدولتهم "دولة للشعب اليهودي"، وكأن ذلك لا يساوي تصفية القضية الفلسطينية رواية وحقوقاً وطنية وتاريخية. بل كيف للمرء ألا يشعر بالقلق على القضية الفلسطينية. قلق، وربما خوف، لا تمليه مبالغة أو تطير، إنما يجيزه التفكير بعمق في ما يمكن أن يفضي إليه تضافر راهن العوامل التالية:

1: العامل الوطني الفلسطيني- بعد مرور 65 عاماً على وقوع النكبة- يعيش وضعية سياسية ومجتمعية هي الأكثر هشاشة وضعفاً وتمزقاً وتيهاً والتباساً منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة في أواسط ستينيات القرن الماضي. ويعود السبب في ذلك-جوهراً وأساساً- إلى استفحال وتفاقم وتعمق أزمة الانقسام العمودي الداخلي الذي عوض إنهائه يتحول، بلا لبس أو إبهام- إلى صراع على تمثيل الشعب الفلسطيني الذي يتعرض- في الوطن والشتات- لاستباحة مخططة وشاملة غير مسبوقة، بينما تسير على قدم وساق، وبتكثيف وتسارع مرعبين، عمليات تهويد واستيطان ومصادرة والسيطرة على ما تبقى بيده من أرض.

2: العامل القومي حدث ولا حرج. فانتفاضات الشعوب العربية عوض أن تؤدي إلى تفعيل الدور العربي في دعم قضية فلسطين، أدت، (لأسباب صارت معروفة وليس المجال هنا للخوض فيها)، إلى ولادة أنظمة عربية تسمى "جديدة"، ساهمت في تراجع هذا الدور وعمقت تساوقه مع المخطط الأمريكي بصورة غير مسبوقة. وفي موافقة "لجنة متابعة المبادرة العربية" على "تبادل الأراضي" ما يكفي للتدليل على ما يعيشه العامل القومي للقضية الفلسطينية من وهن وضعف غير مسبوقين.

3: في مقابل هذا وذاك تشهد إسرائيل منذ سنوات-في المجتمع قبل السياسة والأمن- حالة غير مسبوقة من التطرف السياسي والتشدد الأيديولوجي والتمادي العسكري والأمني. حالة تقودها "حكومة مستوطنين" ترعاها وتدعمها بلا حدود سياسة أمريكية ثابتة العداء للشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير