الثورات العربية... بين جحيم الأنظمة ومقصلة الاتهامات..!!

28.02.2021 08:52 AM

كتبت مرام هواري : "ولا يوم من أيام النظام "...عبارة ربما سقطت سهواً من أفواه تقطر حسرة وقلوب يعتصرها الالم والغصة على ما آلت اليه اوضاع بلادهم تحت رحمة الطغاه،  وقد  انتهى بهم الأمر في  ذات المكان الذي بدأوا منه بعد الانقضاض على التجربة الديمقراطيه، وبراءة واحلام الشباب لحصاد عقد من الزمان لم تشهد حسماً لا في السياسة ولا حتى على الأرض، فالثابت الوحيد الذي تم تحقيقه هو مآسي لم تتوقف فصولها الى يومنا هذا، دفع المواطن ثمنها ولا يزال ارقاماً صادمة وصنوفاً من الموت رصاصاً وقصفاً وتعذيباً، ومثلهم  اضعافاً مضاعفة من النازحين والمعتقلين والمختفين قسرياً في سجون سرية، وقصفاً خلّف بنى تحتية مدمره، أحال مدن بأكملها الى هياكل هي أشبه اليوم برسوم على الرمال، او كصرح من خيال توارى عن الانظار بعد ان تحولت الانظمة الى دولة بوليسية  كما الاستعمار، في جبروتها وسطوتها  وقد خرجت عن طبيعتها البشرية وشذّت عنها، قاصدة إيصال المواطن العربي الى حالة من اليأس والاحباط يتحسر فيها على أيام ما قبل الثورات،  فما تركوه بالأمس خلفهم من عناء لم يكن بأقصىمما يكابدونه اليوم من شقاء في خيم  تحت العراء،  يقضون بها سنوات عجاف يسارعون الموت البطيء  وقد أنهكتهم رحلة البحث عن  الراحة والامان.

 فتحت كل خيمة حكاية تروي قصص لحياة بائسة لا يملك من فيها رفاهية الرفض او حتى التذمر، يخشون تعاقب فصول السنة  حيث  تحرق أجسادهم صيفاً ويغرقها الشتاء، حتى الدفئ بات لهؤلاء  امنية صعبة المنال،  ليعيش المواطن تحت كنفها أوضاع معيشية وحريات هي اشبه الى حد كبير بعهود  النازية والاستعمار،لتبقى الأحداث فيها شاهداً حياً على الربيع الممنوع،  فبتنا الأمة الوحيدة التي تُغزى بعقر دارها من ذوي القربى بمساندة الاستعمار،  فالنهايه الدرامية للمعارضة كانت علامة فارقة على استعادة ذات الأنظمة زمام المبادرة في الميدان وانفلات الأمور من بين يدي الشعب والذي كان من شأنه اعادة عجلة التغيير الى الوراء على كافة المستويات، بما فيها الحريات، فاستحالت الثورة الى طاحونة قتل مكّن تالوجه الآخر من النظام بالسير على جثث ملايين البشر كأنهم ينتقمون من انسانية لايكنون لها اي انتماء .

فلم يكد يجف حبر الثورات العربيه  التي استبشرت  بها الشعوب خيراً  في مهدها حتى رحل الربيع العربي مرغماً بقهر من الثورات المضادة التي أسقطت  بطريقها رهانات على ديمقراطية  باتت عبئاً على من يطالب بها، وليست انجازاً بعد ان كانت تحاول بسط نفوذها على الساحة العربية لتعيد للشعوب العربية ليس حقهم في الحرية فقط، وإنما الحق في الحياه،  فالحديث عن نجاح الثورات او فشلها لم يكن من البساطة بمكان دون الأخذ بعين الاعتبار الثغرات التي لم تكن بالحسبان من قبل من أدار دفتها قبل ان نضع رأسها على مقصلة الاتهام.

لتبدأ دوامة من الأسئلة عما فعله الدب بصاحبه...؟! فالبعض يرى انهاكانت أمراً حتمياً لمواجهة عقود من الاستبداد والفساد، في حين يرى البعض الآخر مستشفياً بفشلها، خصوصاً أولئك  الذين مافتؤوا يصبون زيت الفتنة بين اطياف الشعب، واضعين كامل رهانهم على فشل الثورات واسقاطها،  لتنعتها بالعبثيه  وبأنها  السبب وراء استهداف أمن البلاد وضرباً لاستقرارها بطريقتها العشوائية التي تمت دون ان يكون هناك بُعد نظر في تقييم  موازين القوى او تخطيط منظم  لما قد تؤول اليه اوضاع الشعوب ، حتى على الرغم من نجاحها الاسطوري في اسقاط انظمة لطالما كانت عصيه على الاقتلاع،  والملفت ان لهذا القول آذان صاغية لمن يراقب السطح من علو مرتفع ، لكن الدنو والانخفاض الى اسفل السطح قد يظهر التيارات العميقه، حيث التباين في  الحراره والاتجاه والمقصد،  فقد استسقى مؤيدوا هذه الادعاءات حجّتهم بالقول، ان الربيع العربي بدء ثورته بشعارات سلمية  ولغة قد لا تتقنها الانظمة والحكومات التي لم تراعي يوماً حرمة للدماء، رافعاً الورود والاغاني الوطنيه في وجه الرصاص والمدفع ،مطالباً بالعيش الكريم وحرية الرأي، رافضاً الاستبداد وفساد الانظمة التي ما فتئت تنهب ثروات البلاد،  فوفقاً لهؤلاء فإن الشعب كان يعلم جيداً في ثورته انه الطرف الاضعف في المعادله  فهو لا يملك القوة العسكرية التي تجعله يحسم حرباً  من اي نوع كان،  ناهيك عن  النفس الطويل  الذي لم يكن الشعب مهيأ له،  فهو غير مصمم للحروب الطويلة الامد مقارنةً بمايتمتع به النظام.

 بدا الامر وكأننا أمام تنافس من يستسلم  ويرفع الراية  اولاً، بل ان سوء تقديره نوايا الآخرين وضعف الحاسة الاستراتيجية  لديه لربما هو من اوقعه في الشرك ومكّن الدولة  العميقة منالانقضاض، مما وضع  الشعوب  أمام تهديد حقيقي للوجود لتعيش أسوأ أوقاتها في مؤشرات العدالة الاجتماعية والحريات تتنقل من أزمة الى اخرى، تتلقى اللًكمات مما اجبرها على التسلح كرهاً لا طوعاً بعد ان تعمّق الجرح الغائر الذي تجاوز في حجمه الكلمات  رغم الطابع السلمي وترنح الاصبع عن الزناد  الذي دمغ تلك الثورات .

ولعل الانتقاد الذي كان حاضراً دوماً وقد أثبتت صحته وقائع العقد المنقضي،  ولربما  في ذلك وجهة نظر   بأن الربيع العربي لم يعمد الى اجتثاث الدولة العميقة مخافة من المساس  بالنسيج الوطني، وتجنب نار الفتنة  والشقاق بين اطياف الشعب،  فوفقاً لهؤلاء فإن إسقاط رأس الانظمة لا تكفي لإحداث التغيير المنشود وإرساء الحكم الرشيد،  فحَسَب تحليلاتهم  وقراءاتهم للاحداث،  كانت هي الثغرة التي نفذ منها فلول النظام لوأد التجربة الديمقراطية للشعوب، في المقابل فعلت الدولة العميقة كل شيء يعيد لها سلطتها مهما كلف ذلك من ارواح،  فتحت سطوة القمع الدموي للاعتصامات، واللعب على وتر الطائفية وجدت مسوغاً لبقائها على كرسي كان بالنسبة لها دوماً أقدس من إنسانية الانسان، فغلّبت الفوضى  والعنف بين فئات الشعب مستعينة بمرتزقة  وميليشيات متعددة الجنسيات الى ساحات الصراع ممن  لا تقودهم انتماءات ولا حتى أجندات  تستخدمهم كأداة بيدها ترتديهم  كقفازات، مبرمجه لقتل كل من يهدد النظام مخلفة ورائها ضحية واحدة هي الإنسان.

الا ان ما يستحق التوقف عنده بعد مرور عشرة أعوام على معظم الثورات العربية هو اتضاح ملامح الصورة لهوية القوى المعنية بإطلاق الثورات المضادة التي لم تعد هي الحدث بقدر تعريتها للدول التي ساندتها بشكل مبطن في قمعها ووأدها للثورات  الشعبية،  كاشفة عن حجم التصدع في قيمها، فكانت هي الآمر الناهي  الذي يقود الحرب ويملي توجيهاتهعليها، محاولة الصراع من ثورة شعب ضد النظام الى معارك تقاطعت عندها صراعات ومصالح دول يقال انها عظمى محولة الدول العربية الى ساحات صراع دولية تتضارب فيها اطرافاً عديدة تتلاقى مصالحها حيناً وتتعارض حينا آخر.
فكما للثورات العربية رجالاً فإن للتآمر عليها رجالاً ايضاً مدفوعة الاجر،لم تتورع عن سلوك كل السبل  لدعم صفوف الأنظمة وزيادة مناعتها، تتبادل الأدوار لوأد الثورات حتى قبل ان تطرق بابهم مخلفة أزمات ما كانت لتكون اصلاً لولا تدخلاتهم .
فكان لافتاً على تلك الدول  التي ما انفكت عن استخدام الفيتو في وجه كل من يحاول وقف  ممارسات الإبادة  بحق المدنيين، فكلما اقترب العالم من مواجهة النظام ولو بالإدانة، كانت  هي طوق النجاة  التي تقوي عضده و ترجّح  كفته، حتى المسارات الدولية التي تُعنى بحقوق الإنسان قد اختفت هي الاخرى ولم تفلح في كبح جماح ما يمارس بحق الشعوب من ارهاب، ناهيك عمن كان يدعم الثورات المضادة بالاسلحة والاموال بالموازاة مع القتل والمجازر،فكانت الاسلحة المحرمة دولياً خطاً أحمر مزعوماً، وضعته تلك الدول أمام أنظمة عبرته مراراً  وتكراراً مخلفه ورائها ملايين القتلى والجرحى.  بمنطق الخطيئة  التي تكمن في التآمر على الشعب وإرادته لا يمكننا لوم الثورات ومحاسبتها على إخفاقاتها وكيف لنا أن نلومها وهي الضحية ، فلعلهم اضاعوا فرصة تاريخية أوصلتهم الى طريق مسدود بلا غالب ولا مغلوب بعد ان تعاملوا مع الثورة كما أنهم قد كسبوها ولم يحسنوا في تقديرهم للأمور، ولكن مالا يختلف عليه اثنان ان الثورات بشعاراتها المطالبة بالتغيير لا تزال هي الملهمة للشعوب،  فالبوصلة تأبى الاستدارة مهما تعمق المشوار بالأوجاع والانكسارات،  فلربما قد رحل الربيع عن فصولنا مؤقتاً لكنه قبل رحيله قال كلمته بأن الشعب عندما يريد فإنه حتما يفعل...  

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير