كيف يستخدم الاستعمار الاستيطاني اللقاح كمنظومة سيطرة وأداة فصل عنصري؟

27.02.2021 03:05 PM

كتب: عليان صوافطة
باحث في قضايا التنمية، ماجستير تخطيط وتنمية سياسية

يحدث في فلسطين، أن تلتقي الأزمات الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية في ذات النقطة الزمنية. في مارس الماضي لعام 2020، تقاطعت الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، والتي استهدفت ضم الأغوار الفلسطينية، مع بدايات انتشار جائحة كوفيد-19 في الأراضي الفلسطينية المحتلة. واستلت سلطات الاستعمار الاستيطاني فرصتها في أوج ضجيج الأزمة الصحية – الإنسانية على مستواها العالمي، لتعتدي مُجددًا بقوة السلاح على الأرض والإنسان في إطار الحيز المكاني الفلسطيني المعرف بعدوان عام 1967، فهَدَمت الخيام والمنازل، شرَّدت المواطن الأصلي من شريط الأغوار على امتداد 153 كم من شمال شرق الضفة الغربية إلى جنوبها، وقَيَّدت الجغرافيا بدعاوي اغلاقها لحرية إطلاق النار، أو بحجة الحفاظ على الطبيعة، ومؤخرًا حَوَّلت مُدن الضفة الغربية، وقطاع غزة، بطريقةٍ واعية ومقصودة، إلى نطاقاتٍ منكوبة كليًا، بتشديد الحصار عليهما، وبالتالي تصييرهما إلى خطوط إنتاج ذات كثافة عالية بالأوبئة.

في سياق ممارسات الاستعمار الاستيطاني الممتدة في قلب تاريخ الشعب الفلسطيني، فإنَّه لا يُمكن النظر إلى تعامله الحالي مع الظرفية الصحية للحياة الفلسطينية برمتها، إلَّا من زاوية العقيدة الصهيونية ومرتكزاتها النظرية والإجرائية التي هدفت إلى مَأسسة الفصل العنصري كغاية ووسيلة في كل أبعاد الحياة العربية، في السياسة والاقتصاد، في المجتمع، في التاريخ والجغرافيا، وفي الصحة والثقافة. الأمر الذي يقود إلى بناء نقاش فكري لطرح العديد من الأسئلة في سياقات الصراع والنزاع، حول ماهية السيطرة الجديدة التي تمارسها سلطات الاستعمار الاستيطاني خلال جائحة كوفيد – 19؟ وكيف تُنَفّذ ذات السلطات، بواسطة قوة اللقاحات، فصلًا عنصريًّا على المُستَعمَرين وقائم على استغلال كولونيالي لحاجاتهم الإنسانية الأساسية؟

بين معازل الضفة وغزة: بانوراما الجائحة، وسراب القدس

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أنَّ ثمة موجة ثالثة لجائحة كوفيد – 19 وبطفرات متنوعة تقتحم العالم، بعد حصيلة وفيات تجاوزت مليونين ونصف المليون ضحية. وفي السياق الفلسطيني، رصدت سجلات وزارة الصحة أكثر من 120 ألف إصابة في الضفة الغربية، وما يزيد عن 50 ألف أخرى في قطاع غزة، وبحدود 2000 ضحية في كليهما. بينما بقيت سجلات القدس المحتلة ضبابية، بين ارتياب المعلومة أو عدمها، في ظل فقدان مفاتيح السيطرة المدنية على مدينة القدس، تحت وطأة مُخرجات "العملية السلمية"، التي لم تُمْسِ إطارًا ناظمًا للعلاقات الثنائية الإسرائيلية – الفلسطينية، بعد انسحابٍ إسرائيلي بالمعنى العملي من ما نصَّت عليه تلك الاتفاقيات.

لم تكن ارتدادات اتفاقيات "العملية السلمية" على بنى السياسة والاقتصاد فسحب، بل مسَّت وأطَّرت كل ما يُمكن أن يشكل نواة صيرورة حقيقية للمجتمع الفلسطيني، أو فرصة نقله من حالة إلى أخرى كميًا ونوعيًا، حالةٌ ربما هي أكثر ازدهارًا ورخاءً. وبذلك بقيت الحاجات الضرورية الفردية والجماعية، كالصحة مثلًا، محطَّ تساؤلٍ كبير في ظلِّ الهندسة الاجتماعية التي يمرُّ بها المجتمع الفلسطيني على مدار عقودٍ طويلة، من أجل بناء رواية حضرية استعمارية استيطانية مضادة للوجود الأصلي، في ظل عملية تفقير جماعي للمجتمع الفلسطيني في كافة المجالات. وبالتالي تُصبح القضية الفلسطينية بحاجةٍ ماسةٍ إلى إعادة إنتاج الفلسطيني الجديد، والمُتحرر من قيود العوز والفقر في حياته اليومية، لتجاوز هشاشات الواقع الفلسطيني، والانطلاق نحو هموم التحرر.

أَنْتَجَت اتفاقيات "العملية السلمية" سيطرة إسرائيلية كبيرة على الأرض والإنسان الفلسطيني، إذ ورد في البند الرابع لاتفاق المبادئ (أوسلو 1)، "أنّ الضفة الغربية وقطاع غزة يُعتبران من قبل طرفي الاتفاق كتلة مناطقية واحدة، ويجب الحفاظ على وحدتهما وسلامتهما خلال الفترة الانتقالية”.  إلَّا أنَّ ذلك لم يحدث، وعُزلت الضفة الغربية عن قطاع غزة بخطة فك الارتباط، ثمّ شُدِّد الحصار الإسرائيلي على غزة في العام 2007. بينما ورد في أوسلو (2)، تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق جغرافية (أ)، و(ب)، و(ج)، مُتباينة في نطاق الصلاحيات الفلسطينية، الإدارية منها والأمنية. وهكذا، نجحت العقيدة الصهيونية في إنتاج المعازل الفلسطينية، والمختلفة في مناخات الحياة، ولا سيما في ظروف المعيشة والعمل والتعليم، وحتى مقومات الصحة، التي يعيش الفلسطيني ويلات تردّي منظومتها.

تُسيطر السلطات الإسرائيلية سيطرة مُطلقة على مناطق (ج) المقدرة بـ 59% من الضفة الغربية، وبالتالي فإنَّ أجهزة السلطة الفلسطينية -رغم النصوص النظرية لاتفاقيات "العملية السلمية" على السيطرة المدنية الفلسطينية على مناطق (أ) و(ب)- لا تستطيع ممارسة وظائف الحكم، أو إدارة (الدولة) على غالبية أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا ما يقود إلى ضرورة فكفكة خطاب قيام الدولة المشوّهة، والمحاصرة بنقاط التفتيش والأسلاك الشائكة من جهة، ومن جهةٍ أخرى بالاستيطان الذي يحاول ترسيخ واقع الفصل العنصري، من خلال إيجاد حياة موازية للأخرى الفلسطينية، تتطور باعتمادٍ منهجيٍّ على استلاب المقدرات الوطنية للسكان الأصليين، أو على حساب فنائهم بالمعنى الدقيق.

وباءٌ لا يُميِّز، واستعمار استيطاني يُميّز

بعد وصول اللقاح لأكثر من 7.3 مليون فرد، اعتُبِر برنامج التلقيح الإسرائيلي، في سباق تلقيحٍ ماراثوني، هو الأسرع عالميًا. وثمة أسباب متعددة لهذا التميُّز الاستعماري الاستيطاني في مجال التلقيح؛ أولها: أنَّ إسرائيل كدولة قائمة بقوة الاحتلال، لا تَحْمِلُ عبأ سكانٍ كُثر بالنسبة لإمكانياتها، ومُقدراتها، وقدراتها المادية، وهي بطبيعة الحال تضع نفسها موضع اللامسؤول عن أدنى كلفة لاحتلالها أراضي الفلسطينيين، ولا سيما في مجالات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمُستعمَرين. وثانيًا: في ظل انشغال العالم بتطوير اللقاحات المضادة للوباء، ذهبت السلطات الإسرائيلية نحو اللامألوف في البحث السريري والطبي على الحالات التي تأخذ اللقاحات، وبالتالي، أصبحت إسرائيل المُختبر المُورِّد لأكبر وأدق تغذية راجعة طبية لشركات المناعة العالمية المتعددة مثل (فايزر)، الأمر الذي منحها ميزة استثنائية، ومكانة مُتقدمة، في سوق اللقاحات العالمي. وثالثًا: تسعى إدارة بنيامين نتنياهو، باعتبارها صهيونية إصلاحية، إلى تفعيل كل شبكاتها العابرة للقارات، من أجل تأمين اللقاح لأكبر عدد ممكن من الإسرائيليين، وتسويق برنامج التلقيح نجاحًا على المستوى الوطني، يستحق من جمهور الناخبين انتخاب المُنتخب مرة أخرى في العملية الانتخابية القادمة للبرلمان الإسرائيلي، والتي توصف معالمها بأنها غير واضحة بالنسبة لفرص فوز النُخبة السياسية الحاكمة حاليًا، وعلى رأسها نتنياهو. ورابعًا: اسْتَثْمَرَت العقيدة الصهيونية كونيًا في ما هو تاريخي، أي في سردية "معاداة السامية"، من أجل تبرير الحاجة لتلقيح (مواطني دولة إسرائيل)، ولتشكيل مناعة وطنية، لـ(مُعذَّبي التاريخ)، وفق افتراضهم التاريخي الكلاسيكي.

ما انفكّت "معاداة السامية" كتُهمة أخلاقية، تُشرَّع في وجه كل من يتناول أي شأنٍ إسرائيلي، من زاوية المواجهة النادرة، أو النقد، أو حتى النكتة الساخرة. وفي حلقة سابقة لبرنامج الفكاهة الأمريكي “Saturday Night Live”، علَّق المذيع "مايكل تشي"، على برنامج التلقيح الإسرائيلي، قائلًا: "إسرائيل لقحت نصف سكانها، وسأفترض أنَّ هذا هو النصف اليهودي". سرعان ما استثارت ضحكات الجمهور الخانقة في الاستوديو وخارجه، حساسية عدة منظمات يهودية – صهيونية، وقادة إسرائيليين، ودفعتهم إلى اتهام المذيع بأنَّه يستخدم اليهود بطريقة غير لائقة، ويضعهم في سياقات لا إنسانية لصنع قفشات آخر الليل.

في مقاربةٍ أخرى، مناقضة تمامًا لما سبق، وتعكس انفصامًا متأصلًا في الخطاب الإنساني الإسرائيلي، ووجوديًّا في نظرة المُستَعمِر لذاته المقدسة، والأخرى المُستعمَرة المُدنسة. إذ أنَّ ذات المنظومة التي تعيش على روايةٍ تاريخية تفيد بظلمٍ وقع على جماعة إثنية – دينية، تُمارس نقمتها العلنية، وبمعزلٍ عن أيّ رادعٍ أخلاقي، على سكانٍ أصليين مُستَعمَرين خضعوا لقوة استعمارية استيطانية، مُجرَّدين من كل أسباب التنمية لظروف العيش الكريم، أو لتوفير لوازم العلاج والوقاية. ففي الوقت الذي وضعت فيه السلطات الإسرائيلية الأجندة النهائية لبرنامج التطعيم الخاص بها، والذي يُرجّح انتهاءه في مارس المقبل، ما فتئ الفلسطيني ينتظر وصول اللقاح من منافذٍ عدة، في ظلِّ تنصُّلٍ صريح للمُستعمِر من واجباته تجاه المُستَعمَر، وبانسلاخٍ كامل عن منظومة القوانين الدولية في ظروف الحرب.

وصل إلى غاية الآن من السلطات الإسرائيلية، 2000 جرعة من اللقاح الروسي "سبوتنيك" إلى قطاع غزة، و2000 أخرى من أصل 5000 لنوع "موديرنا" إلى الضفة الغربية. ويُقدر وصول مجمل العدد الفعلي للقاحات المضمونة حتى نهاية فبراير لعام 2021 ما لا يزيد عن 32 ألف جرعة، لأكثرِ من 5 ملايين مواطن فلسطيني.  ورغم الجرعات الفائضة لدى السلطات الإسرائيلية، إلَّا أنَّها تصرُّ على خلط القضايا الطبية الإنسانية بما هو سياسي – عسكري، من أجل تحقيق مكاسب سياسية على حساب حياة المدنيين، لتُثبتَ من جديد، ذات السلطات، أنَّها تُمارس تمييزًا عنصريًّا، في ظرفيةٍ صحيةٍ، لوباءٍ لا يُميِّز أو ينتقى الأرواح.

طبيب برتبة مهندس تطبيع

رَبَطَتْ السلطات الإسرائيلية مصائر الفلسطينيين الصحية بما هو سياسي – عسكري بالدرجة الأولى. إذ جلعت التلقيح في قطاع غزة مشروطًا بالإفراج عن رفات الجنود الأسرى في الحرب الأخيرة لعام 2014. وكذلك الأمر بالنسبة للضفة الغربية، حين أُقحِمت عملية توريد اللقاحات الإسرائيلية في سياقات سياسية، وباعتقاد عام إسرائيليّ مفاده أنَّه لا يُمكن تخيُّل نقل لقاح خاص (بمواطني دولة إسرائيل)، لآخر فلسطيني بحسن نية خالصة، رغم أنَّهم يبلطون جهنم بالنوايا الحسنة. في حين يأتي الخلط الواعي بين التلقيح والسياسة، بهدف قطف السلطات الإسرائيلية لثمار سياسية، ربما تَتَأتى من تأثيرها المحتمل على مجرى الانتخابات الفلسطينية، ولا سيما في عملية الترشيح، أو بناء البرنامج الوطني.

يُفترضُ أنْ تَنْقُل السلطات الإسرائيلية عددًا هامشيًّا من اللقاحات إلى السلطة الفلسطينية بعد الضغوط الدولية، والموقف الأخلاقي الذي تعرضت له الأولى. وربطت ذلك النقل، بعملية نقلٍ أخرى تستهدف 19 دولة لغايات التطبيع وتعزيز العلاقات، مثل موريتانيا والمجر وغواتيمالا والتشيك.  الأمر الذي يُترجم إلى أنَّ اللقاح في زمن الجائحة هذه، أصبح واحدًا من أدوات الدبلوماسية الرسمية الإسرائيلية، في ظل انتظار فلسطيني عصي على التحقيق، وغير معروف المصير.

أُوقف قرار نقل اللقاحات تلك، بعد طلبٍ من وزِيرَي الجيش والخارجية، بيني غانتس وأشكنازي على الترتيب. فالقرار العام الإسرائيلي في شأن اللقاحات لا يُصدر بعد مداولات إنسانية لطبيبٍ أراد الإغاثة، بقدر ما تهيمن عليه منظومةً تُمثِّل العبودية لمصالحها بالمعنى الحرفي، لفرضِ سيطرة جديدة ومكتملة المعالم، على أهدافٍ بعينها.

الوباء كمنظومة سيطرة جديدة

استُخْدِمت الأوبئة في سياق تاريخيٍ ممتد إلى القرن الثامن عشر كسلاحٍ بيولوجيٍّ في تكوين حادثة مقصودة لإبادة جماعية للسكان الأصليين، تمامًا كما فعلت حركة الاستعمار الأوروبي في الأمريكيتين إبان تمرُّد تحالف بونتياك ضد السياسات البريطانية عام 1763، التحالف المُشكَّل آنذاك من مجموعة قبائل للأمريكيين الأصليين. وكان القرار العسكري البريطاني آنئذٍ، باعطاء أفراد القبائل المتحالفة جزءًا من بطانيات ومناديل مستشفى خاص لمرضى الجدري، وبالتالي تفشّى المرض بسلاسة كبيرة، وأُنهي التمرد بالوباء لا بالنار، حتى أُسقطت حضارات تلك القبائل بشكلٍ كامل، وعلى أنقاضهما تمأسست السيطرة الاستعمارية الاستيطانية إلى يومنا هذا.

أما في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، وفي ظل منع توريد اللقاحات إلى كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، فيسهل القول أنَّ السلطات القائمة بالاحتلال، تنظر إلى الوباء بعين الفرصة، أي أنَّ الوباء قد يصنع للمُستعمِر فرصةً تاريخية لم يحدث أن صنعتها البندقية من قبل، من خلال بناء سيطرة جديدة، قائمة على آمال استعمارية متمحورة حول موت أكبر عدد ممكن من السكان الأصليين -ربما- أخفقت الماكنة الحربية في قتلهم ذات حرب. وفي ذلك تعارض صارخ مع أبجديات القوانين الدولية التي نصَّت بوضوح على حق الإنسان في الصحة.

تعاملت سلطات الاستعمار الاستيطاني خلال وباء كوفيد – 19 في الأراضي الفلسطينية المحتلة بذات المنطق الاستعماري الاستيطاني الكلاسيكي السابق، والذي يعود للقرن الثامن عشر، إذ فتحت حدودها للقادمين من مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، دون أوراق رسمية، أو عبورٍ عبرَ البوابات الإلكترونية، بهدف نقل أكبر قدر ممكن من العدوى إلى الضفة الغربية التي تُعاني من هشاشة الأجهزة الطبية، ومحدودية قدراتها. ومن هذا المنطلق، يُعتبر تعامل الاستعمار الاستيطاني مع كوفيد – 19، كمنظومة سيطرة جديدة تُضاف إلى سجلٍ حافلٍ بأدوات متنوعة للسيطرة على السكان الأصليين، بدءًا من منطق الاستيطان والمعازل، مرورًا بالعسكرة والقوة الناعمة، ووصولًا إلى السيطرة بالأوبئة. وحتى دعوات تلقيح قوى العمل الفلسطينية، التي تعمل في المناطق المحتلة لعام 1948، هي تعبير آخر من تعابير السيطرة، لكنّها مُغلفة بقشرةٍ إنسانية، وهذه ليست دعوة امتناع قوى العمل عن أخذ اللقاح، بقدر ما هي دراسة تفكيكية لماهية ذلك السلوك الإسرائيلي.

سياسة الحزام الصحي – الاقتصادي

عطفًا على أنَّ دائرة انتشار الوباء تُرسم بفرجار الاستعمار الاستيطاني ليكون فرصة جديدة للسيطرة، ثمة سردية تاريخية تشير إلى أنَّ سياسية الحزام الصحي التي تُفكر فيها السلطات الإسرائيلية لا تبتعد كثيرًا عن منطق السيطرة. إذ عمل الاستعمار الإنجليزي في نهاية القرن التاسع عشر على تطعيم الهنود ضد الأوبئة، وحصرًا الهنود الذين كانوا يعملون ضمن إطار الحلقة الأولى باحتكاكٍ مباشر مع الإنجليز.  الأمر الذي يُفسر أنَّ التطعيم لم يكن غاية، ولم يكن ذو بعدٍ إنساني منطلقًا من مقولة مسؤولية المُستعمِر عن المُستعمَر، بل تمركز على مقولة التدخل الطبي كوسيلة من أجل بناء حزام صحي يحمي منظومة المُستعمِر من الهلاك.

تُسارع السلطات الإسرائيلية إلى تطعيم أكثر من 100 ألف عاملٍ فلسطينيٍّ يعملون في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وفي مستوطنات الضفة الغربية. وعلاوة على أهمية هذه الخطوة في بناء حزام صحي يحمي مجتمعًا كولونياليًا غالبيته العظمى حصلوا على اللقاح، إلَّا أنَّ ثمة سببٌ آخر ووجيه يدفع سلطات الاستعمار الاستيطاني إلى الإقدام على هذه الخطوة الغريبة، وهو حماية الاقتصاد. إذ تعتبر العمالة الفلسطينية لدى السلطات الإسرائيلية رافعًا مهمًا من روافع الاقتصاد الإسرائيلي، ولا سيما الاقتصاد الخدمي. وبين سياسة الحزام الصحي – الاقتصادي، وعدم الاكتراث بحال المُستعمَرين، هناك حاجة لتوثيق إطلالة سريعة على القوانين الدولية، التي تُنظم علاقة المُستعمِر بالمُستعمَر في سياقات الحرب.

من فلسطين المحتلة: إطلالة على القوانين والاتفاقيات الدولية

ثمة العديد من الاتفاقيات الدولية التي جاءت لتوصيف وحماية السياقات الخاضعة لمنظومات سيطرة الاحتلال، وقوة المستَعمِر في ممارسته اليومية على تراب المُستَعمَر. ووفق جملة المعاهدات والقوانين الدولية، فإنَّ اتفاقية جنيف الرابعة، في بندها الخامس والستين، تضمن الامدادات الطبية اللازمة لمكافحة انتشار الأوبئة.  في حين صادقت إسرائيل في عام 1991 على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكان انضمام فلسطين لذات العهد في عام 2014.

ما هو معروف، أنَّ اتفاقيات "العملية السلمية" لم تؤد إلى رخاء الحالة الفلسطينية، بل أُنتجت وفق رؤية الجهات المانحة لضرورات أمن الاستعمار الاستيطاني، وبالتالي فإنَّ جملة الاتفاقيات، التي تدَّعي من خلالها السلطات الإسرائيلية أن الإمدادات الطبية هي مسؤولية السلطة الفلسطينية، جاءت بجوهرٍ لا يُمكن إنكاره، ومفاده ضبط السياق الفلسطيني وهندسة أرضيته، ليكون مواتيًا بالدرجة الأولى للمحددات النظرية والرمزية لسياقات ما بعد النزاع. وفي سياق تلك المحددات، يبدو المرئي للرائي، أنّ مسؤولية إسرائيل عن المُستَعمَرين تسقط نظريًّا وفق بنود الاتفاقيات. في حين تكون السيطرة العَمَلِيّة، التي يفرضها المركز الاستعماري الاستيطاني، والمتمترس خلف قواه المادية اللامشروعة على الأطراف المُهمّشة، بمثابة سؤال آخر فيما لو أنَّ اتفاقيات "العملية السلمية" تُلغي مسؤولية إسرائيل، كقوة قائمة بالاحتلال، في الإمدادات الطبية للأراضي المحتلة بعدوان عام 1967؟

عين الشمس لا تُغطى بغربال

يُشير الانفكاك الأحادي الجانب للسلطات الإسرائيلية من اتفاقيات "العملية السلمية"، ولا سيّما اتفاق المبادئ (أوسلو) وبروتوكول باريس الاقتصادي، بالتَّزامن مع الاستئناس السابق بالقوانين والمعاهدات الدولية، إلى أنَّ إسرائيل كقوة قائمة بالاستعمار الاستيطاني، مُلزمة بالعمل على تزويد الفلسطينيين بالمدد الطبي والوقائي اللازم والمنصوص عليه في كل ديباجة للاتفاقيات الدولية، إلى جانب منح وضمان الحقوق الصحية في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، المناطق المحاصرة بالحديد والنار، على أن لا تُعيق السلطات الإسرائيلية السلطة الفلسطينية في إدارة شؤون حياتها اليومية. ويجب أن تكون هذه المقاربة في صلب المرافعات الفلسطينية الدبلوماسية الدولية كواحدة من سلسلة أعمال الفصل العنصري اللاإنساني والممنهج، لتصبح اللقاحات الطبية واحدة من أدوات السيطرة. فعين الشمس لا تُغطى بغربال، والحقيقة لا يُطمسها اتفاق أحاديّ هش.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير