لحظة التعرف على الجثمان..

25.02.2021 10:13 AM

كتبت: أسيل عيد

ليت الخبر ينقل تفاصيل الوجع والتفكير الذي ينهك الذاكرة بعد سماع خبر الإستشهاد، كسر ظهر والد الشهيد، والغصة التي تحفر حلق شقيقته، والصرخة التي يبتلعها شقيقه، وكل جسد والدته وأحاسيسها. ذاك الخبر على شريط الأخبار، ظالم.. تلك الدقائق التي تختزلها التقارير المصورة، ضعيفة. تدفن معها تفاصيل كثيرة مميتة لحظة الإستشهاد، بدءً من طُرق نقل الخبر وأول الدقائق بعد تلقي الخبر ومرحلة الإنكار وحتى التعرف على الجثمان وصولاً للدفن وبعده. هنا، محاولة لوصف أحاسيس الموت في لقاء الجثامين، والتي يقتلها الخبر ويعجز الأهالي عن سردها، ثم تتحول بوجعها اللامنتهي مصدراً لا ينضب للجبروت.

بخطى متثاقلة يقترب ذوي الشهيد من ذاك الباب المشؤوم، تضرب عقلهم ذكريات ضحكاته تارة وذكريات طفولته تارة أخرى، كيف بكى؟ وكيف قام؟ وكيف أصبح شاباً؟، متى كان اخر لقاء وماذا قال في اخر كلماته؟ كل العيون تتجه نحو تلك الخطى بِحَرج، تتلافى النظر للعيون، تبحث عن ردة فعل، ويد أو اثنتين تمسكان بجسده الذي شاخ بثواني بعد سماع الخبر. الباب هناك، كأنه في اخر الدنيا! ورغم التعب، يرفض القلب أن يصل، أما العقل فلم يتخيل يوماً أن يكون أمام هذه الغرفة تحديداً، تتأكد العيون الذابلة من اللافتة الباردة أعلاه! وتستغرب، كيف لها أن تشير بفظاظة وبخط غليظ عن مكنون المكان، كان عليها أن تتدارى أو تختبىء لا أن تصرخ بوقاحة في وجوه الزائرين أنها ... "ثلاجة الموتى".

تلك الغرفة الباردة والتي يلتقي فيها ذوي الشهيد ببطلهم، تحتوي دائماً على جواب فيضان من الإستنكار والتساؤل فإما أن يكون تأكيداً فيموت جزء من الروح أو نفياً فتحيا الروح كلها. وهي على الرغم من ثقلها، وجع لا مفر منه، فهي التي تجيب على أهم التساؤلات التي يطرحها العقل. لذا لا تستغرب أبداً من أمل ذوي الشهيد الذي لم يسمح لهم الاحتلال برؤية جثث أبنائهم. ستستمع دائماً جملة "يمكن عايش"، يتشبثون بها وكأنها خلاصهم. فهم يبقون على أمل حتى يلمسون جثمانه ويتعرفون عليه ثم يدفنوه ليزوروا قبره ويتكلمون مع شاهده. لكن المحتل واستكمالاً لحقد متجذر فيه يبقي على جثامين الشهداء، وكأن قتلهم لم يشفي الغليل، فينكل بجثثهم ويحرم عائلاتهم منهم، ويعاقبهم بالحرمان من الدفن والجنازة.

وفي العودة للحظة التعرف على الجثمان، للحظة اللقاء المميت، يتشابه ذوي الشهداء في الكثير من ردات الفعل: يبدء الأصعب بشق الغطاء الذي يخفي الوجه، تليه لمسة مع رجفة قاسية، يبحثون معها دوماً عن أي تفصيلة مغايرة تنقذهم من حجم الفقد والفراغ القادم، فمن تَحَسُسِ الرأس وشكله، وحتى شكل العيون والأنف ورسمة الشفاه والوجنتين وحتى انحناءات الأسنان أو اصطفافها. وإن صرخت كل تفصيلة بالقبول، يستمر ذوي الشهيد بالنظر لملابسه وأطرافه عل وعسى أن يكون شخصاً اخراً وربما يطل هو مطمئناً محبيه بوجود خلل بالخبر، إشاعةُ، أو تشابه أسماء. تخطر على البال كل الاحتمالات التي تؤيد النكران. الملابس، الحجم، الطول، الأطراف، هنا لديه شامةً وهناك كان وحم. كل تفصيلة مهمة. وتتوالى التساؤلات، هذا الذي كان قطعة من والدته وقرة عيون والده، كيف يصبح وهو أمل الغد جثة هامدة! وكيف .. كيف لرصاصة واحدة صغيرة أن تنهي حياة شخص وأرواح كل محبيه بدقيقة أو أقل! كيف يذهب فجأة ويترك خلفه الأحلام والامال وليالي التعب! وكيف علينا غصباً دفن الحبيب بالتراب!

ذلك اللقاء بالتعرف على الجثمان، يكون مختلفاً إن كان لقاءً بعد احتجاز طويل، إذ يقوم الاحتلال دائماً باحتجاز جثمان الشهيد الذي يقوم بعملية فدائية في المناطق المحتلة. وغالباً يحتجز الاحتلال الجثامين لشهور غير معروفة المدة، عشاوئية وغير مفهومة، تنتهي باتصال ضباط الاحتلال بشكل مفاجأ يطالب الأهل بالذهاب لمكان يحدده المحتل بهدف التعرف على الجثمان: هنا يكون الموقف أصعب، إحساس مميت بشكل مضاعف! ففي هذا اللقاء، يلتقي ذوي الشهيد ببطلهم ككتلة من الجليد وبكيس أسود، فلا شكله يشبه شكله ولا لونه يشبه لونه، ويا لحسن الحظ إن لم تشوه الرصاصات وجهه الندي. في تلك اللحظة، الدم فقط من يشعل الإحساس ويؤكد هوية الجسد. هنا يدرك أهالي الشهداء معاني جديدة للموت والحياة. من قال أن الموت هو انتهاء الحياة! لقد أجبرنا الاحتلال على تجربة أنواع موت مختلفة، وأصعبها أن تموت بداخلك ويبقى جسدك على قيد الحياة. أليست تلك التفاصيل موت!

أما إستلام الجثمان المشروط بالدفن ليلاً وفوراً وبأعداد محددة فموت اخر، إذ ينتزع بعض الأهالي معاطفهم وكوفياتهم ليلقوها على جسد الشهيد بهدف تدفئته! لا يمكن للأهل أن يتقبلوا فكرة أن نجلهم لم يعد يشعر. يلقونها ويمسكون بالجسد. يطبطبون عليه لتهدئته، فها قد عاد لحضن والده وأخيه! كيف يمكن أن تقنعهم بأنه قد ذهب وانتهى! البعض الاخر، يصر على تحسس الجسد، يقومون بعَدِّ الرصاصات اللعينة التي اخترقت جسده وأنهت حياته وحياتهم بعده! أليست تلك التفاصيل موت!

ولك أن تتخيل أن لكل شهيد منهم قصة وعائلة ومحبين احترقوا مع فراقه، لكل منهم قصة موجعة في التعرف على جثمان الشهيد، وقصة مؤلمة في تلقي الخبر واستيعابه، وقصة أخرى بكيفية نقل الخبر لبقية أفراد العائلة، وقصص لأحلام تكسرت وآمال تبخرت وحياة تدمرت.

وعلينا ألا ننسى أن هناك العشرات ممن حرموا من دفن جثامين أبنائهم، فتشبثوا بالأمل، لتبقى أمنيتهم هي عيش تلك التفاصيل الدامية في تلك الغرفة البادرة التي تقطع الشك باليقين. هي أمنية حوالي 72 عائلة لشهداء أسرى محتجزين في ثلاجات بدرجات حرارة متجمدة، يضاف إليهم أكثر من 300 عائلة لشهداء فلسطينيين وعرب محتجزين في مقابر تدعى بمقابر الأرقام، منهم شهداء محتجزين منذ أكثر من 50 عاماً. تلك المقابر، غير معروفة المكان، ويحرم المحتل الأهالي من استلام جثمان أبنائهم أو معرفة مكان قبورهم، كما حرم الشهداء من الدفن حسب أديانهم ومعتقداتهم. كيف يحول الاحتلال الوجع لأمنية!

ومع ذلك، فالتعرف على الجثمان مع كل تفاصيله الموجعة التي لا تسردها الأخبار، هو الفاصل الذي يريح الفكر، كي لا يبقى القلب معلق بين التأكيد والنفي، ولأنه بثقله مصدر لنفض الجسد وتقويته لاحقاً، فهذه الدقائق الكفيلة بقتل جزء من الروح، تتحول رغم عذابها لصمود مبهر.

أما المحتل، فهو يدرك تماماً حجم القوة التي يخلفها هذا الوجع، لذا يبقى خائفاً، فيمنع الجنازات والاحتفالات بالشهيد ويحدد المشيعين ووقت الدفن، ويمزق الصور ويحطم الشواهد، لهذا أيضاً يطيل في تحديد موعد التعرف على الجثامين، ويطيل في تسليم الجثمان أو يحرم الأهالي منها. هو يريد القتل دون ردة فعل لأنه موقن حتى عظامه بأن ذلك الوجع الذي يسببه الظلم هو مصدر جبروت الشعب، ولأن كل الدموع التي تذرف لحظة التعرف على الجثمان ودفنه مهما طالت، سيخرج بعدها ذوي الشهداء مكبرين مهللين واقفين، وقدوة للبقية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير