النساء الفلسطينيات "الذكورة، الاحتلال، التجنيد الاجباري، العسكرة"

27.01.2021 08:07 PM

كتبت: د. سحر القواسمة، المديرة العامة مؤسسة أدوار للتغيير الاجتماعي

في هذه المقالة سوف يتم تسليط الضوء على واقع النساء الفلسطينيات من ناحية الذكورة كنظام اجتماعي والاحتلال والعسكرة والتجنيد الاجباري في فلسطين، مع تقديم وصف يشير الى اخر أوضاع النساء الفلسطينيات في تلك المواضيع وما هي الاثار المترتبة عليها.

مقدمة

عندما اتناول الشأن الفلسطيني في طرحي للقضايا المختلفة، سواء على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والاحتلال ونضال الشعب الفلسطيني وأزماته الوطنية، في سبيل نيل الحرية والاستقلال.
فإنني اعي تماما بانه عندما يتم طرحها يجب ان يتم تفسيرها وتحليلها وتأثيرها على المرأة والرجل على حد سواء، من وجهة نظر مبنية على النوع الاجتماعي.

فهذا يساهم في تقديم نظرة شاملة، خاصة حول طبيعة العلاقات القائمة ما بين النساء والرجال، والظروف والعوامل التي تأثرت واثرت على أدوار ومكانة كل من الرجال والنساء.

ولكن الحافز وراء عملي كمديرة لمؤسسة أدوار للتغيير الاجتماعي، والتي تهدف الى تمكين النساء في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من اجل ردم الفجوات في نسب المشاركة المختلفة من حياة النساء وتمكينهن عن طريق إحقاق حقوقهن الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في محافظات دولة فلسطين.

جعلني ذلك ان أبرز اهم الجوانب المتعلقة بظروف وحياة النساء الفلسطينيات فقط، بالرغم من ايماني العميق بان فلسطين سوف تكون أفضل شانا ومكانة، عندما يكون الرجال والنساء قادرين على الفعل الاجتماعي معا، بدلا من ان يكونوا ضحايا سياسات وقوانين وممارسات التمييز، التي تلقي بظلالها على معظم أدوار ونشاطات النساء وعلى اوضاعهن ومكانتهن أيضا.
كما ان الدافع الرئيسي وحثي على العمل في قضايا النساء الفلسطينيات هو قناعتي بان للنساء روح ونفس في العطاء مختلفة، تجعل من الاسرة الفلسطينية نموذجا رائعا للصمود والبقاء على الأرض الفلسطينية.

ضمن هذا السياق ارغب في الإشارة الى نقطة مهمة جدا، وهي ان الحديث عن النساء الفلسطينيات كوحدة واحدة باحتياجات جمعية وفردية واحدة لهو امر صعب للغاية وذلك بسبب ان سياسة الاحتلال فرضت تلك التقسيمات الجغرافية والزمانية والمكانية على الشعب الفلسطيني، الامر الذي فرض واقعا وأثرا مختلفا ما بين النساء الفلسطينيات أنفسهن، فالنساء في الضفة الغربية تعاني من الاحتلال وممارساته، بأدوات واليات مختلفة، عن النساء المواطنات في المناطق المصنفة ج ونساء قطاع غزة ونساء القدس.
وهنا وضمن هذا السياق سوف أقدم وصفا مصغرا عن حجم الادوار الوطنية التي قامت بها النساء الفلسطينيات في الزمن الحالي من عام 2020 من تاريخ نضال شعبنا الفلسطيني.

النساء الفلسطينيات والاحتلال
في هذا الجزء تحديدا من المقال لن أقوم بسرد التاريخ الوطني النضالي للمرأة الفلسطينية الذي ابتدأ منذ فترة الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1917, الذي تمثل بمطالبة النساء بوقف الهجرة الصهيونية الى فلسطين، وكافة المفاصل والمراحل من تاريخ شعبنا الفلسطيني ولكن سوف أبرز اهم المحطات السياسية ونضال النساء الفلسطينيات من عام 2020 فقط، كونها مرحلة فاصلة ومهمة من تاريخ نضالنا الفلسطيني.

حيث شهدت فلسطين احداث متلاحقة على المستوى السياسي ومنها سياسة الضم او ما يعرف "بصفقة القرن" أي ضم حوالي 30% من أراضي الضفة الغربية، تشمل منطقة الاغوار وهي المناطق الغنية بالموارد الطبيعية والثروة النباتية والحيوانية.

فما تأثير سياسة الاحتلال على النساء؟
عند الحديث عن سياسة الاحتلال، لابد من التطرق الى شقين مهمين، برزت بصورة كبيرة في عام 2020 وكان لها اثرا واضحا على حياة النساء والاسرة الفلسطينية عموما منها، سياسة الضم المعلنة من قبل الحكومة الامريكية و سياسة الاحتلال الممنهجة وطويلة الأمد، المعتاد عليها الشعب الفلسطيني، حيث يمارس الاحتلال كافة اشكال العنف والانتهاكات المناهضة الى حقوق الانسان.

اولا: تأثير ممارسات الاحتلال اليومية على النساء الفلسطينيات
بالرغم من سياسة الضم وتداعياتها، فان النساء الفلسطينيات تواجه بشكل يومي ممارسات الاحتلال، حيث أعلنت منظمات حقوقية فلسطينية في توثيق لها لممارسات الاحتلال العدوانية بحق النساء الفلسطينيات، موضحه فيه أنه خلال العام الماضي استشهد العديد من النساء برصاص قوات الاحتلال وأصيب العديد منهن من خلال مسيرات العودة وكسر الحصار في قطاع غزة ومن خلال العبور عبر الحواجز في الضفة الغربية.

وبينت التقارير أن قوات الاحتلال الاسرائيلي كثفت حملات الاعتقال بحق النساء والفتيات حيث تقوم باعتقالهن من بيوتهن أو أماكن عملهن أو من على مقاعد الدراسة أو من المساجد والكنائس مشيرة إلى أن 44 سيدة وطفلة فلسطينية يقبعن في معتقلات الاحتلال في ظل ظروف قاسية حيث يتعرضن لأبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي والحرمان ومنع الزيارات العائلية إضافة إلى الإهمال الطبي. "وكالة سانا الاخبارية المرأة الفلسطينية." صمود ونضال بمواجهة جرائم الاحتلال الإسرائيلي" .2020
بالإضافة الى أن الاحتلال الاسرائيلي ينتهك جميع الحقوق التي كفلتها المواثيق الدولية للمرأة بشكل عام، فرصاص جنود الاحتلال لم يميز النساء الفلسطينيات عن غيرها، ولم يحترم حقها في الحياة، كما طالتها عمليات الاغلاق والحصار في حالات الصحة أو المرض على السواء.

كما تتعرض النساء والفتيات بشكل عام من انتهاك حقهن في المعاملة الإنسانية، فأصبحن ضحية لهجمات الاحتلال والمستوطنينات المباشرة، إذ يتعرضن لتلك الاعتداءات في منازلهن أو بالقرب منها أو أثناء تنقلهن بين المدن والقرى. وفي مناطق ج وقطاع غزة والقدس، وحرمانها في أحيان عدة من حقها في بطاقة هوية فلسطينية أو الاقامة مع عائلتها.
وذكرت تقارير المؤسسات النسوية في قطاع غزة ,2020, أنه في بعض الحالات لقيت النساء حتفهن تحت أنقاض منازلهن التي دمرها الاحتلال الاسرائيلي، كما قتلت فتيات عدة على يد قوات الاحتلال داخل الفصول الدراسية. ويحتجزن في أسوأ ظروف اعتقال دون مراعاة لجنسهن واحتياجاتهن الخاصة، ويحرمن من حقوقهن الأساسية.

كما تأثير الاحتلال من النواحي الاجتماعية والاقتصادية، إضافة الى التداعيات الخطيرة للحصار والقيود المفروضة على حرية الحركة في قطاع غزة، من حيث التشتيت القسري للأسرة، والتدمير المنهجي لمؤسسات التعليم والصحة بمعنى حرمانهن من الوصول الى الخدمات ومطارداتهن ووضع المعيقات امامهن خاصة في اثناء عبور الحواجز وغيرها لكونهن قريبات للشهداء والأسرى والمطاردين
" تقرير مركز شؤون المرأة في قطاع غزة", 2020.

كما تعاني النساء من فقدان الشعور بالأمن والسلام والحماية بمفهومه العام والخاص، وهذا يشمل جميع نساء فلسطين ولكن الأكثر من يحملن هذا الشعور، هما نساء غزة والمقيمات في مناطق ج في الضفة الغربية.

فالحصار على قطاع غزة فاقم من حجم البطالة وكرّس الاستغلال ومنع السفر وتحكم في دخول الأدوية والمواد الغذائية، وتسبب في الكثير من الازمات الاجتماعية والنفسية، حيث 'بلغ عدد العاطلين عن العمل 336,300 في الربع الأول 2020؛ بواقع 211,300 في قطاع غزة 125,000 شخص في الضفة، ما يزال التفاوت كبيراً في معدل البطالة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغ المعدل 46٪ في قطاع غزة مقارنة بـ 14٪ في الضفة الغربية، أما على مستوى الجنس فقد بلغ معدل البطالة للذكور في فلسطين 21٪ مقابل 40٪ للإناث. "الإحصاء الفلسطيني النتائج الأولية لمسح القوى العاملة”، دورة الربع الأول، كانون ثاني – آذار, 2020.

ثانيا: تأثير سياسة الضم على النساء الفلسطينيات
ان الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية لها أثر سلبي كبير على النساء الفلسطينيات لأنها تحرمهن من حقهن في التملك والسيطرة على الموارد والمصادر المتاحة التي من الممكن ان يرثنها من اهلهن، او ان يمتلكن تلك الأراضي وعمل مشاريع إنتاجية فيها، تساهم من خلالها من الحصول على إيرادات وعائد مادي، تمكنهن من العيش وتحسين اوضاعهن الاقتصادية وتلبية احتياجاتهن واحتياجات اسرهن.

بالإضافة الى حرمان حقهن في ممارسة الحريات العامة في التنقل والسفر ومشاركتهن في النشاطات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية العامة.

سياسة الضم تحرم حق النساء والشابات والفتيات من الوصول الى الخدمات سواء على مستوى" الحكم المحلي والصحة والتعليم والبنية التحتية بالإضافة حرمان النساء ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، من التوجه الى المؤسسات النسوية الحقوقية للاستفادة من خدمات الدعم النفسي والاجتماعي والوصول الى مؤسسات العدالة الاجتماعية، من اجل الحصول على الحماية الاجتماعية والقانونية.

ان سياسة الضم، فتحت الحرية لحكومة الاحتلال بالتوسع في المستوطنات، ورافق ذلك عنف المستوطنينات وانتهاكاتهمن لحقوق الفلسطينيينات وكانت ردة فعل شرطة الاحتلال، بان الفلسطينيينات يعملون على استفزاز وإساءة معاملة المستوطنينات، وتمنح المستوطنينات حصانة من المقاضاة.

فممارسات المستوطنينات تجعل من النساء الفلسطينيات في ان يشعرن بحالة من الخوف الدائم في منازلهن بالإضافة الى تجنب مغادرة المنزل بمفردهن لأنهن قد يتعرضن للهجوم، خاصة في ساعات الليل.
كما تواجه النساء التخريب المتعمد، من قبل جنود الاحتلال والمستوطنينات، من حيث تدميرهم الممتلكات الخاصة، بما فيها المساكن، وهدم مصادر المياه والكهرباء والطاقة الشمسية والثروة الحيوانية والمزروعات خاصة في الاغوار التي تعتبر سلة فلسطين الخضراء، حيث ضاعفت هذه الممارسات من قبل الاحتلال، من حجم الاعباء على النساء بسبب زيادة المسؤوليات المالية وواجبات الرعاية.

كما تعاني النساء أيضا من التوتر والقلق والخوف المستمر من فقدان أبنائهم وبناتهم لمجرد خروجهم من المنزل او الذهاب الى الدراسة، او اعتقالها او اعتقال زوجها او اخوانها.

بالإضافة الى سياسة التهجير القسري والتي فرضت على النساء التهجير والتنقل من منطقة الى أخرى، الامر الذي أدى فقدان شعور النساء والفتيات في الحماية وتوفير الامن والسلام، حيث رحلت العديد من الاسر بحثا عن المكان الامن من اجل العيش، وإتاحة المجال لهن لتربية المواشي وزراعة المزروعات المختلفة، التي يعتمدون عليها كدخل مادي والحصول على ايراد مادي من منتوجاتها.

فبالرغم من سياسة الضم وحجم ونوعية ممارسات العنف والانتهاكات من قبل الاحتلال والمستوطنينات ضد النساء الفلسطينيات.
شاركت النساء الفلسطينيات في جميع أماكن فلسطين في العديد من المسيرات والوقفات الاحتجاجية, رفضا لخطة الضم الإسرائيلية لأجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة, ورفعت المشاركات في الوقفة، التي نظمها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، بالتعاون مع المؤسسات النسوية, تؤكد على أهمية الوحدة في مواجهة قرار الضم, ورفضا للهيمنة الأمريكية على المشروع الوطني الفلسطيني, “وعدم الاستيلاء على الحقوق الفلسطينية المشروعة".

وان النساء الفلسطينيات لن تتنازل عن شبر واحد من الأراضي الفلسطينية", وطالبن بضرورة إنهاء الاستيطان والاحتلال، وإزالة كافة المستوطنات. "تقرير الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية",2020.
كما سطرت النساء أيضا اروع وأعظم سبل العيش الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، فهي خلقت اليات واستراتيجيات بقاء وصمود بحسن ادارتها وتدبيرها و تطوير اليات التعاون الظاهرة والخفية التي تمارسها وصنع من لا شيء الى منتج ذو قيمة، بالإضافة الى قدرتها على الصمود من اجل الوصول الى الموارد الطبيعية والتكيف معها سواء في مجال المياه والصرف الصحي، فصنعت طعام ومخزون غذائي وحرف وتطريز وصوف، بالإضافة الى كافة منتوجات الحيوانات والخضار من اجل بيعها وتوفير العائد المادي لأسرتها وهذا مؤشر لحجم وعيها وادارتها الحكيمة في العمل و تكريس البقاء على الأرض والحفاظ على الهوية الفلسطينية والموروث الثقافي والاجتماعي.

النساء الفلسطينيات والنظام الذكوري

ان الذكورة تعكس النظام الأبوي البطريركي كبنية اجتماعية وسيكولوجية متميزة ومتجذرة في الذاكرة الجمعية تطبع العائلة والقبيلة والسلطة والمجتمع، وتكون علاقة هرمية تراتبية تقوم على التسلط والخضوع اللاعقلاني التي تتعارض مع قيم الحداثة والمجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان نتجت عن شروط وظروف تاريخية واجتماعية واقتصادية وعبر سلسلة من المراحل التاريخية والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية المترابطة فيما بينها.

حيث ترتبط كل مرحلة منها بمرحلة تسبقها حتى تصل إلى مرحلة النظام البطريركي الحديث الذي هو نمط معين من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي السابق على الرأسمالية الذي يختلف في بناه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عن بنية النظام العربي البطريركي الذي اتخذ نوعا متميزا باعتباره مجتمعا تقليديا يقابل المجتمع الحديث الذي يتصف بالتقدم العلمي والتقني الذي من خصائصه قابليته على مقاومة التغير لبنيته الأصلية منذ العصر الوسيط حتى الآن وقابليته على الاستمرار للحفاظ على قيمه التقليدية كالانتماء إلى القبيلة والطائفة والمنطقة وارتباطه بالبيئة الصحراوية التي أفرزت نظاما أبويا بطريركيا ذكوريا سيطر على المنطقة العربية قرونا عديدة وما يزال.
وعلى الصعيد الاجتماعي يهيمن النظام الأبوي على العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي تغلب عليها الانتماءات القبلية والطائفية والمحلية، لأن المجتمع الأبوي هو نوع من المجتمعات التقليدية التي تسودها أنماط من القيم والسلوك وأشكال متميزة من التنظيم.

فهو بنية نوعية متميزة تتخذ أشكالا مختلفة من بينها بنية المجتمع الأبوي العربي، الذي هو أكثر ذكورية من غيره من المجتمعات وأشد تقليدية وأكثر محاصرة لشخصية الفرد وثقافته وترسيخا لقيمه وأعرافه الاجتماعية التقليدية وتهميشا للمرأة واستلابا لشخصيتها، لأنه ذو طابع نوعي وخصوصية وامتداد تاريخي يرتبط بالبيئة الرعوية الصحراوية والقيم والعصبيات القبلية التغالبية. "إبراهيم الحيدري الهيمنة الأبوية الذكورية في المجتمع والسلطة" 2016.

وبذلك وبناء على ما ورد ذكره، لا يألو المجتمع الفلسطيني الذي هو جزء لا يتجزأ من المنظومة الثقافية العربية، وحتى عام 2020 في الاصرار على انكار أي ظاهره سلبيه، حيث لايزال يؤمن مجتمعنا الفلسطيني بان ممارسة العنف ضد النساء هو نوع من المكتسبات الاجتماعية من اجل الحفاظ على تركيبة وثبات هويه الأسرة وهو نوع من انواع الحماية الاجتماعية.
فلا زالت للأسف الذكورة متجذره ومستشريه في منظومة السياق الثقافي الاجتماعي الفلسطيني، بالرغم من الارتفاع الكمي في عدد النساء في مجالات مختلفة ومنها التعليم الا انه لم يواكب هذا الارتفاع تغيير نوعي في هذا المجتمع ككل خاصه على مستوى علاقات النوع الاجتماعي، حيث لم يرافق ذلك ذهاب المزيد من النساء الى العمل وتحقيق المزيد من الاستقلالية المادية لان المواقف الاجتماعية ما تزال تقليدية ورجعيه حول ادوار ومكانة النساء.

للأسف على الرغم من الجهود المبذولة من المؤسسات النسوية والحقوقية في العمل على الحد من العنف الموجه ضد النساء الفلسطينيات، الا اننا نشهد تزايد كبير في هذا الجانب خاصة في ظل ازمة كورونا.
حيث أظهرت نتائج استطلاع للرأي صادر عن معهد العالم العربي للبحوث والتنمية أوراد بان نسبة 85 % من الأعباء المنزلية الملقاة على عاتق النساء قد زادت، مقارنة مع 40 بالمائة من الرجال، و41 بالمائة من النساء صرحن بأن واجبات العناية بالأطفال قد زادت، مقارنة مع 32 بالمائة من الرجال.

بالإضافة الى تقرير جهاز الإحصاء المركزي في تقرير مسح العنف لعام 2019, حيث اظهرت النتائج الى أن امرأة من بين كل ثلاث نساء (27%) تعرضت لواحد من أشكال العنف على يد الزوج، بواقع 17.8% عنف جسدي و56.6% تعرضن لعنف نفسي و8.8% لعنف جنسي، فيما بلغت النسبة الكلية لتعرض النساء المتزوجات او اللواتي سبق لهم الزواج للعنف من قبل الزوج 37% في المسح السابق في العام 2011.
وأشار التقرير الى ان أكثر من نصف النساء في فلسطين اللواتي تعرضن للعنف، فضلن السكوت عن العنف الذي ّتعرضن له من قبل أزواجهن بنسبة 61%.

ذلك لان الذكورة ممأسسة في السياسات والبرامج والخطط, نابعة من القيم الاجتماعية القبلية, التي  لازالت تلعب دورها في مجتمعنا الفلسطيني ومستمرة في تصدير خطاب الكراهية والعنف مستثمرة كافة وسائل الإنتاج من سوشال ميديا و اعلام.
الامر الذي دفع الحركة النسوية الفلسطينية بان تكثف جهودها في الضغط والتأثير على الحكومة الفلسطينية من أجل المطالبة بإقرار قانون حماية الاسرة من العنف، وذلك على ضوء ارتفاع وتيرة العنف المبني على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات، حيث تكللت بعض النجاحات للحركة النسوية، ومنها إقرار رفع سن الزواج لعمر 18عاما.

الامر الذي فاجئ الشعب الفلسطيني، وانقسمت آرائهمن ما بين مؤيدينات ومعارضينات، و ما ان انطلقت في نهاية عام 2019, حملة تحريض مقادة من قوى وأحزاب سياسية وعشائر تحمل الفكر الظلامي، و اول فعاليات انطلاقها في مدينة الخليل، ضد اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، حيث أدى ذلك استهجان الحركة النسوية الفلسطينية، من حيث حجمها وتوقيتها وتأثيرها على الشارع الفلسطيني، خاصة وأنها جاءت متأخرة بعد أعوام طويلة من توقيع دولة فلسطين على تلك الاتفاقية.
عملت تلك القوى على اصدار بيانات ضد انضمام فلسطين الى تلك الاتفاقية، وعشائر اجتمعت وأكدت رفض تطبيق الاتفاقية في فلسطين، وأعلنت البراءة التامة منها وما يترتب عليها ودعت في مواقف تثير الاستهجان الى اغلاق جميع المؤسسات النسوية، ووصل الأمر حدود تحذير القضاة من الالتزام بقرار الحكومة رفع سن الزواج ودعت الصحفيينات الى الامتناع عن تغطية أنشطة المؤسسات النسوية، الأمر الذي شكل مسا خطيرا بالقانون وتحريضا على العنف. "البيان الختامي لمؤتمر عشائر الخليل حول سيداو".21122020.

كان ذلك التحريض على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” مغرض وخرج عن المألوف وهيأ ارضية تجيز الاعتداء على النظام العام ومبادئ وقيم حقوق الإنسان وعلى المؤسسات النسوية ومؤسسات المجتمع المدني وسيادة القانون والدولة المدنية وقيم المجتمع المدني.
حيث اعتمدت حملة التحريض تلك على كم هائل من التضليل ونشر معلومات خاطئة حول الاتفاقية والمبادئ الواردة فيها وعكست ألوانا متعددة من اللعب بالعواطف الدينية والثقافية وتأجيج العواطف والمشاعر المرتبطة بالقيم الاجتماعية والعادات والتقاليد والمشاعر الوطنية.

وفي المقابل جاءت ردود كأفعال مضادة لتلك الحملة من قبل الأحزاب السياسية اليسارية والتقدمية لتؤكد وعيا وطنيا متقدما بسماته الاجتماعية والحقوقية والسياسية الوطنية لتوضح أن انضمام دولة فلسطين الى اتفاقية (سيداو) كان إنجازا وطنيا يجب حمايته والبناء عليه، خاصة وإن 190 دولة عضو في الامم المتحدة قد صادقت عليها ومن بينها 54 دولة تنتمي إلى منظمة التعاون الإسلامي ومن بينها دول الخليج العربي.
ودعوا منظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين الى التعامل بكل مسؤولية مع التزامات دولة فلسطين ووضع حد لكل من يحاول أخذ القانون باليد بحجة الدفاع عن الدين والأعراف والتقاليد والبدء بتطبيق الاتفاقية ووضع تشريعات صارمة لحماية الأسرة من العنف، والحد من حالات قتل النساء بداعي الشرف وإعادة قراءة القوانين والتشريعات التي تنطوي على كثير من التمييز بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات وفتح حوار مجتمعي يضم جميع الأطراف ذات العلاقة، لمناقشة أية قضايا تتعلق بمواءمة التشريعات الوطنية مع متطلبات الاتفاقية وعدم التردد بنشر الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان التي انضمت إليها دولة فلسطين ، بما فيها اتفاقية (سيداو) في جريدة الوقائع الرسمية الفلسطينية ومواءمة التشريعات النافذة مع مضمون الاتفاقية."بيانات القوى الوطنية في الخليل الجبهة العربية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية", 2019.

فما اثار حملة التحريض التي تعكس حجم الذكورة المسيطرة في فلسطين
تعرضت المؤسسات النسوية بأبشع حملة هجوم والتشوية للقيادات النسوية باتهامهن بانه غير شريفات وغير وطنيات ومنفذات للأفكار والاجندات الغربية وضد الشريعة الإسلامية، ويهدفن الى ضرب وحدة الاسرة الفلسطينية.
حيث وجدت القيادات النسوية نفسها تواجه قيم عصور التوحش القديمة وذلك بسبب غياب قوة القانون والتي للأسف فرضتها الحكومة الفلسطينية.

ولكن كان لهذه التجربة القاسية التي واجهتها الحركة النسوية الفلسطينية، والمؤسسات الممثلة لها بان توحدت أكثر من قبل وحشدت جهودها في العمل على التمسك بالقانون الأساسي الفلسطيني ووثيقة الاستقلال واتفاقيات حقوق الانسان المصادق عليها، ومتابعة عملية النضال من أجل العدالة والمساواة.

واستمرت مشاركة النساء الفلسطينيات بفاعلية في كل الازمات الوطنية التي مرت بها قضيتنا الفلسطينية، وكُن ّ في مقدمة المظاهرات وربطن مصيرهن بمصير شعبهن.
ومصرات على العمل الدؤوب والمتواصل للعمل ضد ّ الظلم والتمييز، والمساواةَ َ والكرامة َ والعدالة الاجتماعيةّ، وحافظن على النسيج المجتمعي، وعملن في الإغاثة، ووفرن المساعدات الإنسانية ّ لمجتمعاتهن الصغيرة.
كما دعون إلى المشاركة السياسية النسوية الفاعلة، فقد أدركت النساء أن وجودهن في صلب المسارات التفاوضية ومسارات الحل السياسي هو الذي يمكن أن ّ يؤمن لهن في المستقبل ما حلمن به من مساواة جندرية ومشاركة فاعلة في جميع مجالات الحياة.
كما  أثبتت نساء فلسطين لكل شعوب الأرض واحرار العالم, بانهن قادرات على المشاركة في جميع مراحل صنع السلام و تعمل على تعزيزه واستدامته، كما أنها تعمل على تعزيز وجود المرأة في مراكز صنع القرار وبناء المستقبل، وتضمين حقوق النساء في جميع مراحل بناء الدولة، بدءاً من جندرة الدستور أو المبادئ الدستورية أو تعزيز السلم الأهلي، أو تطبيق المحاسبة والعدالة الانتقالية التي تضمن حقوق النساء وتعويضهن عن الضرر الذي لحق بهن، أو تضمين مفهوم الجندر والمشاركة النسائية الفاعلة في جميع المؤسسات والهيئات والخطط والمشاريع المتعلقة بالدولة والمؤسسات المختلفة, وستبقى المعطاءة والمبادرة والقائدة فيها حتى قيام الدولة  الفلسطينية تتمتع بالحرية والاستقلال من الاحتلال، دولة العدل والقانون، القائمة على المواطنة والمساواة بين الجنسين والعدالة الجندرية.

النساء الفلسطينيات والعسكرة والتجنيد الاجباري
التجنيد الإجباري، هو التجنيد الإجباري للأشخاص في الخدمة الوطنية، وغالبًا ما تكون الخدمة العسكرية وتاريخياً، خاضعه للرجال فقط، فهذا نظام سائد في الدول المختلفة كل حسب سياساته ونظامه الخاص.
تبعا لمفهوم العسكرة المعترف بها في الأدبيات النسوية، من حيث استخدام النساء في المجال العسكري المتعلق بالنزاع في الحياة اليومية ووضعه في سياق الاقتصاد السياسي القائم على النوع الاجتماعي.

فان مفهوم العسكرة ضمن سياقنا الفلسطيني وكوننا دولة فيها نزاع وصراع، وتحمل اسم دولة فلسطين، بعد اتفاق أوسلو في عام 1994, لا يوجد فيها نظام العسكرة وفقا لمفهوم ومؤشرات العسكرة في أي نظام ومجتمع، بالرغم من اننا لا زلنا دولة تناضل من اجل نيل الحرية والاستقلال حتى الان، بالإضافة الى التجنيد العسكري الغير رسمي، حيث من الصعب تواجده او تفشيه في المجتمع الفلسطيني والمنظومة السياسية الاجتماعية الثقافية الفلسطينية.

اما في مجال التجنيد العسكري الرسمي، ومن منطلق ايمان الحكومة الفلسطينية في أهمية ادماج النوع الاجتماعي في النظام العسكري الرسمي المتمثل بمؤسساته المختلفة، كونه وضع الحكومة الفلسطينية امام تحديات مختلفة، في مواجهتها مع كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، الامر الذي حتم عليها ضرورة العمل على ادماج النساء من منطلق إيمانهن من ان النساء هي الاقدر على تقديم تلك الخدمات وهي التي تمتلك تلك المهارات والاليات في وصولها لنوعية محددة من أفراد المجتمع الفلسطيني.

حيث أصبحت النساء تشارك في كافة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة الفلسطينية، ولكن قد لا تكون نسب المشاركة المتساوية التي نتطلع اليها، ولكن يوجد نسب لا باس بها في وجود النساء وتقلدها لمواقع مختلفة في تلك المؤسسات، تعمل من خلالها على حفظ الامن والسلام في مجتمعنا الفلسطيني، ولكن يعتبر ذلك مؤشر جيد من قبل المؤسسات العسكرية الرسمية، بتغيير سياساتها وبرامج عملها باتجاه تبني منهاج النوع الاجتماعي، من اجل ادماج النساء في بناء الوطن ومؤسساته وحماية الشعب الفلسطيني.

ومثال على ذلك ان المؤسسات في غزة فتحت باب التجنيد بالتوازي ما بين النساء والرجال، وتجنيد عدد من النساء الراغبات في الالتحاق بالشرطة النسائية، للعمل في مصلحة السجون بقطاع غزة. "غزة، المركز الفلسطيني للإعلام",2017.
بالإضافة الى ان هيئة التدريب العسكري لقوى الأمن في الضفة الغربية، تشجع النساء على التجنيد والتدريب العسكري، من منطلق ايمانها بضرورة تطوير قدرات النساء في هذا المجال، نظرا لحاجة النساء في توفير خدمات لا يستطيع الرجال ان يعملوا على تقديمها، بحيث بلغت نسبة مشاركة النساء 6%,"هيئة التدريب العسكري لقوى الأمن"،2020.

كما ان الاحتياج ذاته رافق تفكير ومطالب النساء الفلسطينيات, بعد ان كانت ترى الرجل حاميا لها باتت اليوم مقتنعة بجدوى مشاركتها في العمل العسكري، وان مفهوم الحماية ودورة غير مقتصر على الرجال فقط , فالنساء تملك القدرات والمهارات ونوعية العطاء التي تميزها عن الرجل و اليوم اصبحنا نرى ان النساء والشابات  تتألق مع استخدام الرشاشات والبنادق و يقدمن بذلك مفهوما جديدا للأنوثة، يحمل معاني القدرة والقوة والجمال والانوثة, وتحدي كافة الصور النمطية التقليدية وواجهن ذلك امام ومرئي جميع شرائح المجتمع الفلسطيني, وفي الشارع العام ومقابلتهن للناس المختلفين ونشر صورهن عبر كافة وسائل السوشال ميديا و الاعلام , ليمثل خروجهن الى المجال العام نقلة نوعية في تغيير الأدوار التقليدية للنساء والمشاركة في بناء مؤسسات الدولة والمجتمع.

خلاصــــــــــــــــــة
تلخص هذه المقالة نموذجين مختلفين للنساء الفلسطينيات، احداهما الجانب المشرق والمميز في أدوار النساء في النضال الاجتماعي من اجل الحد من سيطرة النظام الذكوري، والجانب المؤلم في حلمها من نيل الحرية والاستقلال فهي وحتى في القرن الواحد والعشرين تواجه عنف وانتهاكات الاحتلال اليومية وبصورة مستمرة.

ففي هذه المقال سلطنا الضوء على واقع النساء الفلسطينيات في الاحتلال واثارة عليها بالإضافة الى تقديم وصف للنظام الذكوري القائم في الوضع الحالي، وكيف انها تواجه نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي صعب في ظل دولة فلسطينية لا تتمتع بالسيادة الكاملة ولا تملك مقومات الدولة، وفقا للأنظمة المعتمدة من قبل منظمات الأمم المتحدة والعالم الدولي.

فالنساء الاكثر تأثرا بهذه الأوضاع بطريقة مختلفة عن الرجال، كما عن بقية نساء العالم العربي والدولي، فهي بالرغم من هذه التعقيدات التي يمر بها شعبنا الفلسطيني، الا انها دائما تسطر أروع نماذج المشاركة والنضال والبناء، والقيادة وتصب جهودها دائما في صالح حماية حقوق النساء والفتيات الفلسطينيات وتأكيدها على المساواة كمسار عمل لها، وتعزيز صمود الاسرة وبناء الوطن.
كما تحدثت المقال أيضا عن دور النساء في التجنيد العسكري الرسمي التابع لمؤسسات الدولة الفلسطينية وكيف تشارك بفاعلية حقيقة في حماية افراد الشعب الفلسطيني من العنف والجريمة, وبناء مؤسسات الوطن والدولة الفلسطينية, وحفظ الامن والسلام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير