لن يعودَ قبل الموت

26.01.2021 04:34 PM

كتب: بدر أبو نجم

لم تكن تلك الليلة وحدها التي هرب من بين ثناياها بريق الأمل لأُمٍ كانت تنتظر بفارغ الصبر عودة ابنها من معتقلات الاحتلال. ذلك السجن الصحراوي الذي نهش من أجساد الأسرى صيفاً وشتاءً، هي الأمنيات التي ركنتها على عتبات بيتها الصغير. سرقت من دودة القز خيطاً لتبني سماءً لابنها، وترسم فوق تراب الممر صهيلاً.

رغم عمرها الممتد إلى الثمانين إلا أنها لم تفقد الأمل يوماً برؤية ابنها يقف على عتبات حديقة منزلها وهو يحمل ابتسامته معه، وحضنه الذي أصبح يتسع لأملٍ يمتدد إلى اللانهاية.

يخطف الموت فجأةً تلك الأم الساهرة.. على عتبات الأمل المنتهي قبل الموت..

لا شيء يزعجها الآن كما كان صوت الليل وهي وحدها.. لا شيء يقلقها بعد أن خطفها الموت قبل أن ترى ابنها الأسير بأيامٍ قليلة، فلم ينتظر الموت قليلاً: "لا تنتظرني".. تقول الأم وهي تحلم عندما احترقت الفراشة بضوء الوردة الأبدي.

كيف كانت تعيش حلمها في ذلك البيت.. ربما لم تطالع صحف المساء أو الصباح، ربما لم تتابع برنامج الأسرى على الراديو لتنتظر صوته عبر الهواء.. ربما لم تفكر يوماً بهذا الشيء، لكنها كانت تحلم بشيءٍ وحيد.. سيأتي يوماً ويجلس على تلك الأريكة التي وضعت عليها ملابسه قبل عقدٍ من الزمن.

في الركن الآخر قبل الموت بقليل كانت تركن بعض ملابسه التي كانت قد اشترتها له من سوق المدينة فرحةً بأناقتها.. تلامسها وتبكي قليلاً، وتمرر أناملها على سطحها كأنها تقول له: "أريد أن أراك ترتديها ولو للحظة".

تعود إلى سرير الأمل المبلل بالدموع دون أن يأتي. هي تفعل ذلك في كل ليلة تشتاق إليه.. تزداد اختناقاً في كل مرة تتفقد أغراضه في خزانة غرفته المغبرة التي تشبه  البدلات العسكرية.. وقتها كانوا صغاراً يلعبون مع الملائكة الصغار ويتسربون من المدارس هاربين من الرياضيات والشعر الحماسي القديم ويلعبون مع الجنود على الحواجز لعبة الموت البريئة.. كانوا حينها يهربون مع الملائكة إلى السماء الصافية.

عندما فتح الغياب باب البيت بعد طول انتظار لم يجد فراشة الأمل.. لكنه بكى كما يريد حتى يحيا قليلاً -لا لشيء، بل ليحترم القيامة بعد الموت.. الموت لا يعني له شيئاً الآن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير