عقل ابو قرع يكتب لـوطن: توزيع لقاحات كورونا.. بين رأس المال والفشل الأخلاقي!

22.01.2021 12:49 PM

 

حذر مدير عام منظمة الصحه العالميه قبل عدة أيام، من انهيار وأخفاق أخلاقي كارثي في العالم بسبب غياب العدالة في توزيع لقاحات كورونا، اي تلك اللقاحات التي تم الترخيص باستعمالها حتى الآن، أي لقاحات الشركات العالمية الكبرى، وبالتحديد حيث تستحوذ الدول الغنية، التي تملك الأموال والقوة والعلاقات على معظم اللقاحات المتوفرة، سواء لقاحات من شركات فايزر أو استرا زينكا أو من غيرها، وفي نفس الوقت تعاني الدول الفقيرة أو ذات ال‘مكانيات المحدودة ونحن في بلادنا من ضمنهم، من عدم توفر اللقاحات وبالتالي عدم وجود تطعيم ضد فيروس كورونا، أو وجود أمل في التغلب على هذا الفيروس، الذي ما زال يصيب المئات أو ربما الآلاف ويقتل العشرات أو المئات في هذه الدول.

وحسب منظمة الصحة العالمية، فإن غالبية الجرعات من اللقاحات التي انتجتها أو تنتهجها شركات عالمية، قد تم بيعها لدول غنية، حيث حصلت الولايات المتحدة حتى الآن على حوالي 36 مليون لقاح أو جرعة، وما تعهد الرئيس الأمريكي الجديد "بايدن" بتطعيم 100 مليون أمريكي خلال 100 يوم، أي حوالي مليون شخص يوميا، ألا ودليل على مواصلة هذا الاحتكار، وبالأخص في ظل القدرة المحدودة لهذه الشركات على إنتاج أو تصنيع اللقاحات.

ومن الأمثلة الأخرى في منطقتنا "إسرائيل"، حيث تم تطعيم أكثر من مليوني شخص بالجرعة الأولى ومنهم جزء كبير بالجرعة الثانية، وحصولها على ملايين أخرى من الجرعات من شركات عالمية مختلفة، وإذا علمنا أن معدل ثمن الجرعة الواحدة من اللقاح يتراوح بين 10 الى 15 دولار وربما يصل الى 20 دولار في ظل معادلة العرض والطلب والأسعار ومن يملك المال والتواصل مع مدراء هذه الشركات، فإننا نتأكد من أهمية رأس المال أو من يملك المال وبالتالي يحصل على اللقاح بعيدا عن الأخلاق وحقوق البشر والعدالة بأنواعها.

حيث صحيح أن شركات الأدوية تقوم باستثمار جزء كبير من عائداتها في البحث وفي التطوير والاكتشاف، هذا رغم المخاطرة والمجهول، وخلال عملية تطوير واكتشاف الدواء أو اللقاح، فإن هذه العملية تتم من خلال الأجهزة الرقابية، ولا يسمح بالانتقال من مرحلة الى أخرى في عملية التطوير الا بموافقة هذه الأجهزة الرقابية الصارمة، والتي قد تستهلك حوالي المليار دولار أمريكي من ميزانيتها وتمتد الى فترة زمنية تصل الى سنوات عديدة.

والمنافسة العلمية بين الشركات العالمية سواء لاكتشاف وإنتاج الأدوية أواللقاحات هي منافسة متأصلة، وهذا بالطبع يصب في مصلحة البحث العلمي والابداع والابتكار وصولا الى اكتشاف أفضل الأدوية واللقاحات والمستحضرات الكيميائية المختلفة لاستخدام بني البشر، ولكن حين تتحول المنافسة لتأخذ منحنى له بعدا سياسيا أو إعلاميا أو أخلاقيا، فهذا بالأمر غير الايجابي وبالاخص في حال فيروس كورونا، وفي ظل جائحة تؤثر على شؤون الحياة في معظم دول العالم وبالطبع نحن منهم، حيث بدأت الدول تتسابق في محاولة للحصول على لقاح، أو على عدد من الجرعات من اللقاح هذا أو ذاك، ومن خلال عرض أعلى الأسعار، التي لا تستطيع عرضها الدول ذات الإمكانيات المحدودة. 

وصحيح كذلك أن شركات الأدوية العالمية الكبرى، وقد عملت ولسنوات عديدة في إحداها،  هي شركات خاصة ربحية، أي يملكها وبالتالي يتحكم في عملها وفي مسيرتها حملة الأسهم أو المستثمرين، وصحيح أن هذه الشركات تسخر أفضل الإمكانيات المادية والبشرية من أجل أيصال دواء جديد الى الأسواق وبالتالي البيع والربح، ولكن وفي ظل الأزمة العالمية الحالية، أي أزمة كورونا التي لا تفرق بين الغني والفقير أو بين المتحضر والمتخلف، من المفترض أن يكون أو كان هناك نظاما أو آليه عالمية تحت إشراف أجسام دولية ودول وعلى رأسها الأمم المتحدة وذراعها منظمة الصحة العالمية، ومن خلال التواصل المباشر مع الشركات من أجل توفير نوعا من التوازن بين الدول الغنية وتلك الفقيرة، فيما يختص بتوزيع واستخدام لقاحات كورونا.

وفي ظل مواصلة اللغط والتشاكي من عدالة التوزيع للقاحات كورونا في العالم، فإن هذا المرض الذي اربك الجميع وشل مناحي الحياة، ما زال ينشر الخوف والقلق، وبالأخص بسبب ظهور تحورات أو طفرات جديدة متواصلة تثير الخوف وبالتحديد من إمكانية مقاومة اللقاح، أي عدم قدرة اللقاحات على تحفيز الجسم من أجل انتاج أجسام مضاده تهاجم الفيروس حال وصوله الى الجسم.

و أشارت نتائج دراسة حديثه قبل أيام أن النسخة المتحورة من الفيروس والتي مصدرها من دولة جنوب أفريقيا، ربما تكون قادرة على تحدي أو لها القدرة على التأثير على عمل اللقاحات المتوفرة حاليا، واذا تأكد ذلك خلال الاسابيع القليلة القادمة، فإنه وفي ظل الانتشار السريع للعينات المتحورة من الفيروس في العالم، سواء تلك التي مصدرها بريطانيا أو جنوب أفريقيا أو غيرهما،  وفي ظل إمكانية ظهور طفرات جديدة من الفيروس، قد تكون أشد واقسى وأخطر من النسخة الاصلية التي تم تطوير اللقاحات ضدها، فإننا قد نصل الى أوضاع تفقد اللقاحات الحالية أي التي تم الموافقة عليها، أو تلك التي مي مراحلها النهائية من الاختبارات، القدرة على إنتاج أجسام مضادة توأم نسخات الفيروس المتجددة أو المتحورة، وبالتالي نعود مرة أخرى الى البداية، اي الى صورة العدالة الاجتماعية الاولى أمام هذا الكائن الصغير كورونا، بعيدا عن القوة أو عن المال أو الاخلاق أو عن مدى ما نملك من قوة وإمكانيات.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير