سيارة عمرها 25 سنة صفر كيلو؟!

16.09.2020 04:52 PM

كتب وليد الهودلي: لأبدأ اليوم مقالتي بهذه القصة القصيرة:

رنّ الهاتف وأنا أسير بسيارتي على دوار الساعة وسط مدينة رام الله، لم أنتبه الى مصدر المكالمة وفتحت الخط حيث كان موصولا بسماعة الّسيارة الخارجية:

- كأنك تقود السيّارة؟ أعود اليك فيما بعد؟

-  لا ، أسمعك على السماعة الخارجية.

- أكيد انت الان في الطريق من المكتب الى البيت، كيف كان يومك؟

" في هذه الاثناء تعالى صوت ولديّ في المقعد الخلفي فصحت بهم طالبا منهم الصمت"

- يومي عزيزي روتين قاتل، أستيقظ مبكّرا لتوصيل ابنائي الى مدارسهم، ثم الوظيفة والعمل، ثم الرواح والغداء والاستعداد للمناسبات الاجتماعية وأحيانا قضاء فسحة هنا أو هناك. ولكن قل لي: من معي على الخط، صوتك خفي عليّ.

- أنا صديق قديم، سيّارتي ثابتة مكانها لم تتزحزح قيد أنملة منذ خمس وعشرين سنة، أحيانا ننزل منها الى سيّارة حديدية صمّاء لا تعرف طريقا الا من سجن لاخر اسمها "البوسطة"، لنا روتين يختلف عن روتينك القاتل، أنت تصحو لإيصال أبنائك الى مدارسهم انا منذ خمس وعشرين سنة لم أحظ بإيصالهم ولا مرّة واحدة، أنت تصيح بأبنائك وتخرج لهم عصبيّتك، أنا لو رأيت طيفهم في المنام تنتعش روحي أسابيع وأنا أستحضر ما رأيته منهم في منامي.

أين روتينك القاتل من روتيننا؟ تغدو وتروح بسيّارتك فسحة هنا وفسحة هناك، نحن نغدو ونروح في المسافة الواقعة بين " البرش" وبوابة الغرفة التي تغلق وتفتح بأمرهم ولا تفتح الا قليلا، والنافذة الكئيبة، وإن طالت بنا الطريق فلنا أن نوجّه اشرعتنا نحو " الفورة" لنسافر هناك ثم نتحرّك الحركة الدائرية مثل البرغي" البايز" كما وصفها احد الاسرى، تدور وانت مكانك ليكون نهاية المطاف البرش السعيد.

أنت عزيزي تذهب الى الأسواق لتشتري ما تشاء وتقرّر غداءك وعشاءك وضيفك ومضيفك وصلة رحمك ومتنزّهك ومسجدك وصحبة من تختار من خلق الله، نحن مفروض علينا كلّ شيء كاننا مسيّرون لا خيرة لنا في كل ما عدّدت من أمور، هذا حالي صديقي مع هذا الروتين منذ خمس وعشرين سنة.

ثم سيارتي المتجمّدة في مكانها من نوع " برش" لا وقود فيها ولا طاقة لها ولا عجلات ولا طريق ولا سبيل، سيارة عمرها خمس وعشرين سنة وما زالت صفر كيلو، لا نوافذ لها ولا فتحة سقف ولا شاشة ولا كاميرا ولا أية إضافات، سيارتي لا أفق لها إلا ما نفتح نحن من نافذة على كتاب أو تسبيحة مع ربّ العباد.

   يا عزيزي أنت وصفت روتينك بالقاتل فكيف نصف روتيننا؟
تقطع الصوت وسمعت صاحبي ينسحب مسرعا:
- وصل العدد يا صديقي وما أدراك ما العدد، امض في طريقك واحمد الله على روتينك واسال الله لنا الفرج والخلاص.
ماذا عساي أن أعلّق على هذه المكالمة؟

لا حياة لنا ولا كرامة ولا مكانة ولا سيادة ولا حريّة ولا استقرار ولا استقلال الا بحرية أسرانا الاحرار.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير