فوضى المؤسسات الزراعية وغياب المأسسة- عبد الحميد البرغوثي

14.04.2013 02:37 PM
الناظر لخارطة العمل الشعبي والجماهيري (خاصة الزراعي) في الأراضي المحتلة سيصعب عليه شمل هذه المنظمات والجمعيات بنظرة واحدة وسيعجز عن تصنيفها وتبويبها وتأطيرها من أجل دراسة منطقية لها، فهناك منظمات جماهيرية ومراكز بحوث بمستوى الأحزاب تعمل على توزيع الأرانب وسلال الغذاء على الفقراء والمزارعين وتبذل الجهود المضنية لمحو الأمية لدى بعض القرويين، وهناك بالمقابل جمعيات ومجموعات خرجت للتو من البيضة أو التسجيل في الدوائر المختصة وتتنطح لجلب التمويل لدراسات وأبحاث ومؤتمرات ومشاريع ... المهم جلب التمويل. وفيما بينها عشرات بل مئات أو ألوف الجمعيات والمنظمات والاتحادات والمجالس الموجودة وشبه العاملة وغير الفاعلة والتي تنتظر التمويل المباشر وغالبيتها غير المباشر، للمباشرة في مشروع ما لتنمية جانب ما ومآرب أخرى تعلمونها.

للتبسيط نذكر وجود ثلاثة اتحادات أو نقابات للفلاحين والمزارعين على الأقل، بعضها يتبع منظمة التحرير الفلسطينية ويتقاضى التمويل من صندوقها وبعض آخر يعتمد على ثلة من المزارعين. كما أن هناك عشرات المنظمات الجماهيرية غير الحكومية والخيرية وما شابه والتي تحمل بعضها (مالياً) أكبر من حقيبة وزارية وتناضل غالبيتها من أجل تمويل بناء جدار لمقبرة أو ما شابه. وتضم هذه وتلك تشكيلة واسعة من مراكز البحوث ومراكز الدراسات وما شابه وتمارس العمل الخيري أحياناً والاستشارات الخاصة أحياناً أخرى وليس مستبعداً أن تحصل على تمويل من جهة ما لتنفيذ مشروع تنموي ما وتنمي أشاء ما ... كل هذا يعتمد على رأسمالها الاجتماعي (يعني قدرتها على الوصول ومتانة الواسطة والعلاقات لديها) وهي أيضاً مغطاة بالقانون إياه.

يضاف إلى ذلك آلاف الجمعيات التعاونية و بضع الاتحادات التعاونية والتي يتجاوز عددها ضعف عدد التجمعات السكانية وبدأت بالانتشار مثل الشجر وتحصى بالعدد في التجمع الواحد (مبالغة) وغالبية هذه الجمعيات غير فاعلة ولا تملك من متاع الدنيا سوى سجلات أو كمبيوتر أو بعض الموجودات التي جاد به عليهم بعض الأجاويد من المنظمات الدولية عبر بعض المنظمات الأهلية وبتمويل من المانحين. كما ظهرت بعد أوسلو مجموعة من المجالس الزراعية (الدواجن والزيتون أولاً) وأصبحوا حوالي ستة وعشرون مجلس نوعي في عين العدو.

يضاف إلى هذه الأجسام عدد لا بأس به من الشركات الخاصة وغير الخاصة التابعة للمنظمات الجماهيرية أو الأكثر استقلالية من تمارس التجارة العادلة أو الأقل عدالة ومن تصنع أو تصنع المواقف ... وهي تلعب أحياناً أدوار مهمة خاصة تسويق المنتجات أو تسويق الجهود التنموية ولكنها جميعاً مبدعة في تسويق ذاتها وخدماتها المبجلة.

كل من هذه المجموعات (التعاونية والاتحادات والمنظمات الجماهيرية والخيرية ومراكز الأبحاث والأندية والمجالس ... الخ) يتشابك ويتعقد عملها ويكتنفها الكثير من الفوضى في عملها وبيئة عملها تحديداً وتستدعي وقفة جادة ومراجعة لعملها إذا ما شئنا بناء وطن قابل للحياة، بغض النظر عن المساحة والتوزع أو التشتت، حتى لو كان مثل الجبنة السويسرية، "مبخوش". فقد قال عظيمنا: "ما أعظم الفكرة، ما أصغر الدولة".

لا شك أن النية في كل هذه المؤسسات والجمعيات والمنظمات طيبة وبريئة ولكن ما هو ليس ببريء، هو موقف صاحب القرار ومن بيده وضع الأمور على نصابها ومأسسة هذا العمل الجماهيري بحيث يتعاظم ويتكامل جهدها وفعلها وتأثيرها. نقول، ورزقنا على الله، أن صاحب القرار يتجنب مأسسة العمل في القطاع الزراعي أو يتحاشاه لا لعجز عن عمل ذلك فقط ولا خوفاً من مراكز قوى يفضل عدم إثارتها فقط، ولا لوجود مصلحة للبعض من أصحاب القرار يستوجب التستر عليها وعدم إيقاظها فقط، أو تجنباً لوجع الرأس وحسب، بل لكل هذه الأسباب معاً، فالمأسسة تعني توصيف المهام والمسؤوليات وبالتالي تقليل فرص استفادة الأقويات والعدالة في استغلال الفرص وكفاءة في بناء الوطن ولكنه كذلك يسهل عمل المسائلة والمحاسبة ومن منا مع المسائلة والمحاسبة فعلاً لا قولاً.

ونعيد التأكيد أن العمل الجماهيري المنظم (العثماني والخيري والتعاوني) قد بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ربما لم ينتشر في الأرياف ولكنه مورس بشكله الجنيني في "العونة" منذ عرف المزارعين الحصيدة وقطف الزيتون، أي منذ وجد بعل على أرض آرام وكنعن بما فيها فلسطين. كما تطور العمل الجماهيري وغير الحكومي وولدت الجمعيات والمراكز والمنظمات في ظل غياب سلطة مركزية قبل أوسلو مثل لجان الخدمات والإغاثات وغيرها أو بتمويل من الدول المانحة في الفترة الأولى من قيام السلطة (مجلس الدواجن ومجلس الزيتون) أو من أجل تنظيم العمل فيما بعد 2005 كالمجالس النوعية ... الخ وجاءت إما مشلولة أو مكبلة وغير فاعلة وتحمل بذور شللها وتقاعسها في هيكلها وبنيانها ونظامها أيضاً، لا نشمل الجميع فهناك من المجالس الزراعية من يحاول وسيستمر في المحاولة.

تاريخياً، فقد أخذ العمل الجماهيري (في الضفة الغربية) زخمه وبعده الرسمي في أواسط السبعينيات من القرن الماضي في تعاونيات رعتها المملكة الأردنية الهاشمية وذلك من أجل تقنين الدعم المالي للمزارعين في مواجهة الارتفاع الحاد في الأسعار واستمر ذلك في اللجنة الأردنية-الفلسطينية المشتركة بعد الانتفاضة الأولى. وكانت هذه بداية التدخل الرسمي-الحكومي، البريء، في العمل الجماهيري. أما تسييس العمل الجماهيري وخاصة المنظمات غير الحكومية فقد بدأ فعلياً بعد نضوج العمل التنظيمي الفلسطيني وبدأ انتشاره في الوسط الشعبي في غياب سلطة مركزية، فكانت مراكز الخدمات والإغاثة واللجان والمراكز وغيرها الكثير تتكاثر وتعمل لملئ الفراغ، بدأت بتلاوين سياسية محددة ثم ما فتئت واختلطت، وهذه وتلك يغطيها نظام وقانون واحد رغم التباين الواضح في أهدافها ورسالتها وممارساتها وقانون آخر يغطي التعاونيات والعمل التعاوني، لا زال قيد الدرس.

سنفرد لكل نوع من هذه المنظمات والجمعيات والتجمعات والمجالس ورقة وبحث مستقل وما نرجوه من هذه الورقة هو إثارة النقاش وإغناء الحوار في هذا المجال ووضع شمعة تحت طبخة المأسسة للعمل المدني في القطاع الزراعي على أقل تقدير والذي يحظى بأكبر عدد من المنظمات والجمعيات وأعلى درجة من الفوضى.

د. عبد الحميد البرغوثي

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير