الرعب الاستيطاني

29.06.2020 09:54 PM


كتبت: مرام هواري

على وقع سُلّم التهديد بالضم، تقف فلسطين اليوم على مفترق طرق وواقعٍ مرير يسير بخطى متسارعة نحو مشروع استعماري كولونيالي جديد اساسه صفقة القرن المشؤومة، وفصول جديدة من البطش والقمع والتشريد بحق الشعب الفلسطينيّ الاعزل فارضاً سياسة ثبت فشلها لا تملك لها فلسطين دفعاً، وملامح سلوك سياسي يُنذر بنكبةٍ جديدة ملامحها التطويع والتهويد والتهجير لتمرير أجنداته وتوسُعاته الاستعمارية على حساب الحقوق الفلسطينية القائمة من خلال السرقة العلنية للارض الفلسطينية، وابتلاعها من النهر الى البحر فالضم لا يأتي لوحده دائماً،  بل يرافقه التهجير والترحيل والمساس ببنيانه وحضارته، سياسة تستهدف اقتلاع الانسان الفلسطيني من جذوره وانكار حقوقه من خلال العبث بخريطته، كاشفاً عن خلل في المنظومة الدولية، تقف عاجزة امام قطارٍ فائق السرعة يسحق كل ما في طريقه قاطعاً تذكرة اللاعودة الى ما بعد  اوسلو مؤججاً اضطرابات وصراعات اسرائيلية- فلسطينية لا نهاية لها.

فالشعب الفلسطيني لم يحظَ يوماً بقوى مساندة، وروافع قوية تدعم قضيته العادلة فهو بحاجة الى كسب المزيد من الانحيازات لعدالة حقوقه وشرعيته ودعم استعادته لها، فيجد نفسه امام حقيقة صادمة تنهي حروف السطر الاخير في قضيته,  فالامبراطورية الاحتلالية بددت آماله في اقامة دولته المستقلة، امبراطورية  كانت منذ وقتٍ قصير حلماً احتلاليا، ثم ما لبث ان تحول الى احتمال ثم حقيقة حتى بلغت مرحلة الامر الواقع من خلال وأدها لحل الدولتين متجاوزة في ذلك كل الخطوط الحمراء التي تعهدت من اوسلو على عدم تجاوزها.

فباهظةٌ هي الأثمان التي يدفعها الفلسطيني وما يزال في سبيل قضيته، ثمنه الخذلان والتآمر العربيّ والغربيّ على قضيته وتغافل ديمقراطيات العالم التي آثرت الانزواء مخيَّرين او مجبرين تاركين شعباً أعزل يتحمل لوحده عبء الاحتلال وتبعاته، حيث دافعوا وناضلوا حين تراجع الجميع، نضالاً يستحق ان نرفع له القبعة احتراماً.

فأي قهر هذا الذي يعيشه الفلسطيني وكأنه على موعد دائم ومتواصل مع فصول جديدة لا تنتهي من مسلسل الرعب الاستيطاني الذي ليس له فكاكاً او خلاصاً، ليضيف الى السجل الاحتلالي الحافل بالجرائم، جريمة جديدة تهدد مصير آلاف السكان في المناطق التي تم ادراجها ضمن خطة الضم الاحتلالي.

فأين المجتمع الدولي من هذه المعادلة فهل لم يعد لهم تأثير وحضور من الحدث والواقع.. "ام ان لكلاُ منهم يومئذ شأنٌ يغنيه"...!؟؟ 

فمن مرجعيةٍ على ما يبدو لن يرجع اليها احد، وشرعية دولية شرعنت حق الاحتلال في الوجود وفي تقرير مصيرنا ومجلس أمن حيث لا أمن ولا أمان في ظل شبح الفيتو الذي يخيّم بظلاله على سياستها، فبكرتٍ احمر تقضي على احلام شعوب تنشد العدالة من أروقتها،  وانحياز امريكي صهيوني سافر ينم عن عنصرية مفرطة اتجاه شعبنا فبجرة قلم وقليل من البلطجة يعبث بمصائر شعوب فيرفع دولاً ويحط من اخرى، وصمت أوروبي مدوّي خضع للابتزاز العاطفي الذي استخدمه اللوبي اليهودي لكسب استعطافهم وتأييدهم لسياستها، حتى ضمنته في جيبها فلم تعد تتجرأ حتى بالهمس على انتقادها، وجامعة عربية تغط في سبات عميق لا يوقظها من هو سوى الحاجة الى شجب هنا واستنكار هناك حتى انحرفت عن مبادئ تأسيسها بعد ان استقطبتها دول المال واسياد نعمتها، فباتت ارشيف من الفساد السياسي ذات شرعية منقوصة، ودول عربية وخليجية ألفت التطبيع مع الاحتلال وتبرمجت عليه حتى اصبحت تعتبره انجازاً لا يثير فيهم حرجاً ولا خجلاً، فكيف هو الخلاص  واين المفر...!!

فالعد التنازلي لتصويب اخطاء الماضي قد بدأ، وملامح سلوك سياسي فلسطيني ونهج جديد بات يلوح في الافق ويطل برأسه بقوة نحو التغيير وبداية لنهاية مرحلة جلبت للفلسطينيين الدمار والخراب، مدركين متأخرين بأنه لا طائل من المفاوضات التي نهايتها الاستسلام وليس السلام، بل وتقبل الهزيمة بروح رياضية فتفكير السلطة بتحللها من فخ اتفاقية أوسلو والتمرد عليها من خلال التلويح بورقة الضغط الوحيدة التي بحوزتها وهي التنسيق الأمني جاء كنتيجة حتمية لتحلل اسرائيل من جميع الاتفاقيات والقرارات الدولية وشروعها بتنفيذ مخطط الضم الذي هو احد بنود صفقة القرن، فكيف لا وقد اثبتت هذه الورقة خلال سنين فعاليتها مئة بالمئة...ففي كنفها نام المحتل مطمئن البال قرير العين ومكانتها مقدسة من اعلى المستويات في هرم السلطة حيث اثبتت من خلالها للجميع انها دولة افعال وليس اقوال، بينما يقامر نتنياهو ويغامر بها في سبيل مستقبله السياسي، فمن جهه يُظهِر بتهور وذكاءٍ منعدم عدم مبالاته بها شأناً او وزناً مغامراً بعزلته السياسية والاقتصادية مع العديد من الدول الاوروبية المعارضة لعملية الضم العنصري مستعيضاً عنها بدفء علاقاته مع بعض دول المنطقة التي خدرها افيون التطبيع على حساب القضية الفلسطينية التي غالباً ما كانت كبش الفداء في المحرقة السياسية بين الدول، ومن جهه اخرى يسعى الى مقايضة التنسيق الامني برغيف الخبز ورواتب الموظفين في السلطة من خلال استحواذه على المستحقات المالية للسلطة الفلسطينية أملاً منه في تركيعهم قيادةً وشعباً.

فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هل سيذهب الصهيوني الى النوم بعد الضم..؟ّ!!

ففي هذه المرحلة المطلوب من اصحاب القرار الفلسطيني جدية اتخاذ القرارات، وان تنظر مباشرة الى الواقع فالحل القائم على حل الدولتين قد انتهى، فالصفقة يجب ان تكون بين طرفين متوافقين بحيث لا يتجاهل طرف مصير طرف آخر، فكيف اذا كان مصير شعب بأكمله، فليس من الصواب الرهان بقوة على الدعم الدولي والعربي فالخروج بشعبنا وقضيتنا الى بر الامان بات من الاولويات حتى لا نصبح بعد فترة من الزمان دولة عنوان بلا مضمون، فرأسمالنا اننا شعب ينشد الحياة ما استطاع اليها سبيلا.

نعم نحن شعب يحب الحياة ولكن من اجل وطنه يعشق الموت اكثر....

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير