العلاقات الإسرائيلية - الصينية: الى أين؟

23.05.2020 09:40 PM




كتب: د. ياسين ياسين

تواجه الصين اتهامات دولية مستمرة، على خلفية الغموض الطبي بخصوص مصدر فيروس كورونا؛ والتلاعب بالمعلومات خاصة به: مما تسبب في فقدان عشرات الآلاف من الأرواح، وكلف الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات.

المشاعر العالمية المناهضة للصين التي تقودها الولايات المتحدة وصلت أعلى مستوياتها، وقد تشكل تهديداً للمشاريع الصينية العملاقة في ما يعرف بمبادرتي الحزام وطريق الحرير الجديد.

الحملة على الصين:

تسعى الولايات المتحدة جاهدة لتقويض سيادة الصين ومكانتها الدولية، فيما تحاول الصين إخلاء مسؤوليتها، وترسيخ صورتها كدولة اتخذت خطوات حاسمة لتتيح للعالم وقتاً للتعامل مع الجانحة:

الحملة الامريكية ضد بكين متأججة، فتارة تتهمها بتصنيع الفيروس ونشره في العالم، وتارةً أخرى تهدد بفرض عقوبات اقتصاديّة عليها، وجرجرتها أمام المحاكم للحصول على تعويضات. كان وأحدثها تصنيف 24 شركة صينية كشركات "تهدد الأمن القومي الأميركي.

كذلك تحولت الصين الى مركز الحملة الدعاية الانتخابية: بعدما كشفت استطلاع للرأي أن ثلثي الأميركيين يملكون رأياً هو الأكثر سلبية تجاه الصين: مما جعل الديمقراطيون والجمهوريين يعتقدون أن التركيز على الصين سيزيد حظوظ فوزهم في الانتخابات.

حاول الرئيس الأمريكي استغلال هذا الاتجاه العدائي من خلال وصفه كورونا بـ"الفيروس الصيني" أو "فيروس ووهان". وواصل تهديداته الى حـــــد تعليق تمويل منظمة الصحة العالمية إذا لم تجر المنظّمة تحسينات جوهرية كبيرة وتظهر استقلالها عن السلطات الصينية.

استراتيجية الولايات المتحدة تعتمد على إحاطة الصين بالأعداء، وتحاول جرها إلى صراعات تاريخية مع أطرافها أبرزها مع الهند غربا إلى الهيمنة الأمريكية على كل من تايوان وكوريا الجنوبية واليابان شرقا، وصولا إلى بحر الصين الجنوبي.

وتعد التوترات مع تايوان، والنزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي من بين الأولويات الدفاعية العليا لبكين.

الصيني تقاتل وحدها!!

على حد وصف الرئيس الروسي للرئيس الصيني، وهو ما يحدث الآن وخصوصا بعد انضمام روسيا إلى حوالي 116 دولة تدعوها الى إجراء تحقيق مستقل في أصل الفيروس. وصدور قرار بإجماع الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية.

دبلوماسية الكمامات:
 
واقعة تحمل رمزية مهمة عندما اختارت الصين الوقوف بجانب الدول المتضررة ففي مقابل إغلاق أمريكا لحركة الطيران من ايطاليا وأوروبا تجاه الولايات المتحدة. لا وبل قامة الصين بتقديم المعونات الصحية لايطاليا وصربيا التي أدارت أوروبا لهم ظهرها حيث تستغل الصين قدرتها الهائلة على تصنيع المستهلكات الطبية لتحسن توظيفها في بناء علاقات سياسية وشعبية مع الدول الأخرى.

كما عملت الحكومة الصينية على تقديم هذه المساعدات بشكل مباشر الى: ماليزيا، والفلبين، واليونان. وفي بعض الأحيان، قامت الشركات الصينية بتوصيل الإمدادات الطبية إلى بعض دول كأوغندا وأوكرانيا. بالإضافة إلى تقديم الدعم الاقتصادي لبعض الدول المتضررة، بما في ذلك قرض بشروط ميسرة إلى سريلانكا.

ومارست دول آسيوية أخرى، من بينها فيتنام وتايوان وكوريا الجنوبية هذه الدبلوماسية: لدى تبرعها بملايين من الكمامات إلى أوروبا، لكنها لم تلق نفس النوع من الثناء مثلما ما لاقته بكين.

الصين وشراء إسرائيل؟

من الناحية النظرية، يعد ظهور شراكة تجارية وثيقة بين إسرائيل والصين أمراً غير محتمل. فالصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر مُصدِّر من بين الدول كافة.

أن التحالف الإسرائيلي الأمريكي قوي ومتين في كل شيء تقريبًا عدا نقطة أساسية واحدة تتمثل بالصين. وما زالت الحكومة الاسرائيلية تواصل السماح لشركات صينية بالتغلغل للبنى التحتية الاستراتيجية، متجاهلة تحفظات "الشاباك" وتحذيرات الإدارة الأمريكية.

في الماضي القريب، كانت الضغوط الأميركية تؤتي آكلها: فقد تم إلغاء الصفقة تزويد بكين بمعدات عالية التقنية. ومنع تنفيذ اتفاق تحديث طائرات عسكرية سبق أن اشترتها الصين من إسرائيل.

المتغيرات في السياسة الاسرائيلية حدثت خلال العقد الأخير من خلال ما يسمى بمبادرة "الحزام والطريق"، والشواهد على ذلك عديدة يمكن أن نلمحها في:

صفقة مع شركة علم الوراثة الصينية BGI بقيمة (25.7 مليون دولار)، أكبر شركات الDNA  وعلم الوراثة في العالم، لشراء معدات تتيح لإسرائيل القيام بعشرة آلاف اختبار لوباء كورونا يوميا.

اتفاق مع مجموعة شنغهاي العالمية للموانئ، تقضي بقيام المجموعة بتطوير وإدارة ميناء حيفا لمدة 25 عاما، الذي وتزوره سفن حربية أميركيّة باستمرار.

عطاء مع شركة هاتشيسون الصينية بقيمة ( 1.5 مليار دولار) لبناء محطة مياه على مقربة من قاعدة بالماخيم الجوية. ومركز ناحال سوريك للأبحاث النووية.

شراء الشركة MRC محطة الطاقة "ألون تافور"الكهرباء، بعدما فازت في مناقصة نافست فيها ست شركات أخرى بقيمة ( 1.9 مليار شيكل).

استحوذت على شركة "أهافا" الإسرائيلية الشهيرة لمستحضرات التجميل، المتخصصة بتصنيع منتجات العناية بالبشرة باستخدام مركبات طينية من البحر الميت.

واستحواذ على شركة "تنوفا" الإسرائيليّة الأضخم لمنتوجات الألبان والحليب، في الوقت كان فيه تقييم راس مال الشركة الإجمالي ( 2.5 مليار دولار).

ويواصل سعي الصينيون أيضًا لامتلاك بنوك إسرائيلية وشركات تأمين واستئجار حوالي مليون دونم في النقب للقمح والأفوكادو والقمح وغيرها.

مبررات القلق الامريكي:

أن الاستثمارات الصينية في إسرائيل تلقي بظلالها على حجم التوتر بين واشنطن وبكين: من خلال مطالبتها بالحد من علاقاتها مع بكين أو فقد حليفتها الإستراتيجيّة.

ان الأمريكيين يتابعون بقلق ما تفعله الصين: للسيطرة على سوق التكنولوجيا في المستقبل، لأن إسرائيل دفيئة للتكنولوجيا المتقدمة. وتوسيع موطئ قدمها بالاستثمار في البنى التحتية الاستراتيجية وهو ما يعتبرونه تهديدًا لأمنهم القومي.

يذكر أن إسرائيل شكلت لجنة خاصة، في آب 2020، لمراجعة الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة، في محاولة لتخفيف القلق الأميركي من الاستثمارات الصينية في إسرائيل.

على الجانب الآخر من المعادلة، إن مصلحة إسرائيل تقتضي بالحفاظ على اعتبارات اقتصادية، مع الصين، واستمرار العلاقات الاستراتيجة مع اميركا. ويبقى السؤال المهم عن ما إذا كان ذلك ممكنًا؟

ان إلغاء العقود مع الشركات الصينية سيؤدي لتأخير في العمل، دعاوي قضائية ودفع تعويضات مالية كبيرة، ورد من قِبل الحكومة الصينية. وبذلك ستجد إسرائيل نفسها بين المطرقة الامريكية والسندان الصيني. وبالتزامن مع كل هذا، تجتهد إسرائيل باستشراف أي تغيير قد تصنعه الأزمة العالمية الحالية في مراكز القوى على الخارطة الدولية.

الحقيقة الغائبة: أنه وبعد تعافي الصين من الاـزمة، أصبح بمقدورها شراء نصف العالم- على حد قول البعض-. جهود الصين غير المتوقفة لشراء ممتلكات استراتيجية في مجال البنى التحتية في أنحاء العالم، بما في ذلك اسرائيل، خطوة في طريقها للتحول للقوة الأعظم في العالم.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير