وباء مصر... بقلم: سارة توبول/ معاريف

11.08.2011 10:56 AM

عقد الايجار لمقر حزب نور في المنصورة، المدينة الكبيرة في دلتا المصرية الواقعة على مسافة 145 كيلو متر شمالي القاهرة، وقع الشهر الماضي فقط. الكراسي لا تزال مغطاة بالنايلون وتقف الى جانب الجدران الخضراء. شريف طه حسن، الناطق بلسان الفرع المحلي للحزب الاسلامي والمحافظ المتشدد هذا، يجلس في غرفة الجلسات ويشرق بأسره، عندما نتحدث نحن عن فرص الحزب لان ينتخب للبرلمان في الانتخابات الاولى منذ سقوط نظام مبارك. انتخابات خطط لها في الخريف، ولكن الان ليس واضحا متى ستجرى.

"توجد قاعدة تأييد سلفية كبيرة في المجتمع المصري"، يقول حسن، "عندما يفهم الناس من نحن وما هي اهدافنا، سينضمون الينا"، يضيف مبتسما. السلفيون – اعضاء تيار متطرف للاسلام متأثر بالسعوديين، امتنعوا عن الانشغال بالسياسة حتى التحولات الاخيرة في مصر. وقضوا بان الديمقراطية هي طريقة غير اسلامية مدعين بانه بدلا منها من واجب المسلمين اطاعة زعيمهم، حتى لو كان طاغية. ومقابل امتناعهم عن السياسة، منح شيوخهم تأثير في الخطاب الديني في مصر. اما الان فهؤلاء المحافظون المتشددون هم جزء من مجموعات مختلفة تكافح في سبيل قطعة من كعكة السلطة. وعلى نحو يشبه الاحزاب الدينية الاخرى، فانهم لا يعتمدون فقط على شعبيتهم في المساجد وفي قنوات التلفزيون بل يديرون حملة يقظة في مراكز المدن وفي المناطق القروية.

نشطاء حزب نور يطبعون يافطات زرقاء، يعدون آرمات انتخابات، ينظمون لقاءات جماهيرية، يبعثون بفرق طبية للقرى المظلومة، بل وحتى يدعمون الادوية في صيدليات مختارة فيما تحمل هذه الادوية الرخيصة الشعار الحزبي. وهم السلفيون الاوائل في مصر الذين تسجلوا كحزب، واقاموا حتى الان فروعا في 15 من أصل 27 محافظة في مصر – عدد اكبر من عدد الفروع التي اقامتها احزاب ليبرالية لا تزال منشغلة بالحملات على المستوى الوطني فقط.

يعطي حسن الانطباع بانه غير مشغول البال من الحاجة لتجنيد المؤيدين في الزمن القصير المتبقي حتى الانتخابات. هذا الرجل المدور والملتحي الذي يلبس بدلة سكنية لامعة، يعمل بلا كلل منذ شهر حزيران، عندما بدأ حزب نور يجمع خمسة الاف توقيع ضرورية لاقامة الحزب. وهو يتبجح فيقول: "عندما وقع الناس لنا، تبرعوا بالمال ايضا".

مسلمون غير طيبين

السلفية ليست ايديولوجيا ذات مذهب مرتب واحد وزعيم واحد، بل حركة محافظة واسعة تتضمن مذاهب متطرفة. فالسلفيون يتطلعون الى محاكاة طريق أصحاب النبي محمد في القرن السابع، السلفيين. في مصر تحظى مدرسة السلفية بالتأييد ولا سيما في بعض المناطق (مثلا، يتمتع نور بتأييد واسع في الاسكندرية، بينما حركة سلفية اخرى، الفضيلة، تحظى بتأييد في القاهرة). ولكن التعاون بين الحركات المختلفة يمكن أن يجلب المزيد من المؤيدين الى صناديق الاقتراع فيزيد كثيرا قوة السلفيين في السياسة.

السلفيون الذين يحاولون بلورة احزاب سياسية، اجتهدوا حتى الان للامتناع عن الانشغال في مواضيع موضع خلاف. ومع ذلك، منذ وقت غير بعيد اطلق شيوخ السلفية تصريحات متشددة في وسائل الاعلام المصرية، عن امكانية انتخاب رئيس قبطي وعن حق النساء في نيل مواقع القوة. وأثبت السلفيون كم يمكن لهم أن يكونوا خطرين، حين عين حاكم مصري في قنا جنوب مصر. فقد قاد السلفيون مظاهرات عنيفة على مدى عدة ايام ومسوا بالسكان المسيحيين. أذن مسيحي واحد قطعت، عندماحاولوا ان يفرضوا عليه "عقابا اسلاميا".

مهما كان عددهم، فان وجود الاحزاب الاسلامية المتطرفة في البرلمان المصري القادم، سيؤثر كثيرا على الخطاب السياسي في الدولة المحافظة على أي حال. ناهيك عن ان هذا البرلمان سيكون الهيئة التي تقرر هوية مجلس المائة، الذي سيصيغ الدستور المصري الجديد. "السلفيون سيجرون البرلمان يمينا في محاولة لصياغة هوية الاسلام الحقيقية حسب رؤيتهم"، يقول شادي حميد، الباحث في مركز بروكينز في الدوحة. "في اللحظة التي يعنى بها الحوار في الشؤون الدينية وبالنصوص الدينية، يمكن للسلفيين أن يتصدروه لانهم يتمتعون بتفوق هام في هذا المجال. وهذا في واقع الامر هو الخطر. فمع أنهم لا يمثلون معظم المواطنين المصريين، فانهم سيتمتعون بقوة غير متوازنة. نفوذهم سيظهر أساسا في كل ما يتعلق بحقوق النساء والقوانين المتعلقة ببيع وتعاطي الكحول. الناس سيخشون من تسميتهم مسلمين غير طيبين".

في عيادته في مدينة الاسكندرية، يحاول نشيط الحزب الكبير يسري حمد ان يشرح الفارق بين المعتقد الاصولي للجماعة والسياسة الداخلية التي سيتبعها. وحمد يتطابق والنظرة المسبقة للمسلم المتشدد في محافظته، بلحيته السميكة وبابهته. للقاء معنا جاء حمد مع طارق شعلان، عضو في الحزب يتكلم الانجليزية وحليق. الرجلان يصران على أنه اذا ما صعد حزب نور الى الحكم، فلن يفترض زعماؤه على أحد العيش حسب تفسيره للشريعة الاسلامية. ومع ذلك، فالحزب سيعلم المصريين كيف يكونوا مسلمين – وهو موضوع اهمل على مدى عشرات السنين من الانظمة الطاغية والعلمانية. وهكذا مثلا، يقولون انهم لن يفرضوا على أي امراة اعتمار النقاب أو حتى الحجاب، ولكن "سيعملون على تقدم التقاليد في مصر".

في هذه المرحلة يوقف شعلان الحديث كي يلقني درسا في التاريخ. "أتعرفين أنه قبل 1919 كان الجميع في مصر متحجبين – مسيحيين، يهود ومسلمين؟". غطاء الرأس، يضيف شعلان، دفع الى الامام بالذات حقوق النساء، لان النساء الجميلات حظيت بمعاملة أفضل. فعندما تعتمر المرأة الحجاب وتلبس الملابس الواسعة فانها تحفظ جمالها لزوجها وتثبت أنها تحمي شرفها. "فهي لا تحتاج لان تكشف عن نفسها، وعذرا أني استخدم هذه الكلمة، او مثيرة للجنس، كي يحترمها الاخرون أو يتعاطون معها"، يضيف شعلان.

هل تعتقد ان الامر ينطبق على الرجال، أساله.

شعلان يتردد في اجابته. "انتِ لن تتعاطين مع الرجل بشكل مختلف اذا كان جميلا، ولكن الرجال يتعاطون مع النساء على نحو مختلف في مثل هذه الحالات". كلنا نعرق عدم ارتياح عندما يحاول رجلان تسوية مبادئهما الدينية مع الحياة اليومية.

أنا، حمد وشعلان ننتقل للبحث في نظرية القانون الاسلامي. وأخيرا يعترف حمد بان حزب نور يعتزم محاولة فرض تفسيره المتطرف للاسلام في مصر، تفسير يتضمن تأييدا للعقاب القديم مثل جلد الزاني وقطع يد السارق. "ولكن هذا لن يتم فورا"، يقول لي حمد. أولا، يقول، حزب نور يخطط لمعالجة المشاكل الاقتصادية العسيرة في الدولة، تقليص المشاكل التي تدفع الى التدهور نحو الجريمة. وبالفعل، بعد ذلك تناول موضوع العقاب أيضا.

ومع أن أجوبة أعضاء الحزب تبدو مدحوضة، يبدو أن معظم المصريين يتفقون معهم. معظم النساء في مصر يغطين رؤوسهن منذ الان. في نيسان الماضي كشف استطلاع لمعهد الاستطلاعات الامريكية "بيو" النقاب عن أن 62 في المائة من المصريين يؤمنون بان "على القوانين ان تكون متطابقة مع ما ورد في القرآن". هذا، باختصار، هو مذهب حزب نور. السؤال المطروح هو هل المصريون الذين يؤيدون المبادىء الدينية المتصلبة هذه، سينتخبون أيضا أحزابا تسعى الى جعلها قانونا.

نهاية الاحتكار

        قبل ان يخرج المصريون الى الشوارع لاسقاط الرئيس حسني مبارك، كان الخيار الوحيد للمقترع الديني هو مرشحو حركة الاخوان المسلمين، الذين تنافسوا بشكل مستقل في الانتخابات البرلمانية. ورغم محاولات النظام تقييد مشاركتهم في الساحة السياسية من خلال منع الاحزاب الدينية، كان "الاخوان" الحركة الاسلامية الاكثر تنظيما في الدولة. في هذه الايام يوجد "الاخوان المسلمون" في مركز الخريطة السياسية وبدأوا ينقسمون الى أحزاب صغيرة. ظاهرة الاحزاب السلفية حطمت احتكار "الاخوان" وفتحت الباب امام آراء متطرفة اخرى.

        مع أن الانضمام الى السياسة كفيل بان يكبح جماح مواقفهم المتطرفة، فانه كفيل ايضا بان يدفعهم الى ان يطلقوا العنان لمواقفهم بقوة أكبر. "كلما كان لديك أحزاب اسلامية، فانها ستتنافس الواحد مع الاخر – لتثبت بانها اسلامية أكثر من الخصوم"، يقول الباحث من معهد بروكينز، "هذا ما يحصل في مثل هذه الاوضاع".

        قد يسير السلفيون في أعقاب حركة "الاخوان المسلمين" التي لطفت حدة مبادئها المتصلبة، كيفت نفسها مع الواقع المعقد للحياة اليومية، وبدأت تنشغل ايضا في خطط التنمية الاقتصادية والزراعية. ولكن حاليا، يبدو ان الانتفاضة الشعبية التي تصدرها الشباب الليبرالي المحب للفيس بوك، منحت الاسلاميين المتطرفين في مصر فرصا جديدة لم تكن لديهم حتى الان. 

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير