لماذا يجب حل السلطة الفلسطينية؟

29.05.2017 11:57 AM

كتبت: ديانا بوطو

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الاميركية مقالا تحليليا للمحامية   ديانا بوطو، حول ما آلت اليه السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها عام 1994، وخلصت الى ان الحل الأمثل للمأزق الذي يواجهه الشعب الفلسطيني نتيجة لاتفاقات اوسلو هو حل السلطة وتولي منظمة التحرير الفلسطينية ، بعد اصلاحها، دفة قيادة الشعب الفلسطيني . بوطو ، عملت مستشارة قانونية للوفد الفلسطيني المفاوض حتى عام 2005 ، وهي تعمل الآن كمحامية في فلسطين في مجالات حقوق الانسان.

اجتماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان بمثابة  جهد يرتكز عليه مؤلف كتاب "فن عقد الصفقات ، اي ترامب" من اجل استئناف عملية السلام المتوقفة منذ زمن طويل، والتي ترعاها الولايات المتحدة الامريكية. وبما ان الذكرى الخمسين للاحتلال الاسرائيلي تقترب، فمن الضروري التاكيد على ان: وضع عملية السلام هو اسوأ من كونها متوقفة. ففي ظل تعنت الحكومة اليمينية في اسرائيل لم تعد المفاوضات ذات جدوى مع حكومة لا تؤمن بمنح الفلسطينيين حقوقهم الكاملة.

إلى اين يمكن ان يصل هذا الوضع بالرئيس ترامب وبالسياسة الامريكية الداعمة للسلطة الفلسطينية وللسيد عباس؟ مع الاخذ بعين الاعتبار الفشل الكبير الذي وصلت إليه المحادثات والتي كانت تستند على اطار مفلس اصلا كونه منحاز بطريقة سافرة  لاسرائيل، فان الفلسطينيين يتداولون بشكل متزايد موضوعة الحاجة إلى قيادة واستراتيجية جديدتين.

يتساءل الكثير من الناس الان فيما اذا كانت السلطة الفلسطينية تقوم بدور ايجابي بالفعل ام انها ليست اكثر من اداة للسيطرة والتحكم بيد اسرائيل والمجتمع الدولي. ومن هنا يبدو ان الامر المنطقي الذي لا مناص منه يقتضي ذهاب هذه السلطة.

من سلطة مؤقتة لـ5 سنوات الى سلطة دائمة دون سيادة

تأسست السلطة الفلسطينية سنة 1994 بموجب اتفاقيات اوسلو، وكان المامول من تاسيسها ان تكون كيانا مؤقتا على ان تصبح حكومة فلسطينية كاملة الصلاحيات عندما يتحقق قيام الدولة سنة 1999 كما وعدت تلك الاتفاقيات. ولهذا، بقيت صلاحيات السلطة محدودة. يشمل ذلك مسؤوليتها عن مجرد 18% فقط من الضفة الغربية (مقسمة إلى 8 مناطق). ولهذا بقيت السلطة الفلسطينية بالفعل دون صلاحيات تستحق الذكر، مقارنة بسيطرة اسرائيل الكلية على الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.

بالرغم من ذلك، كان موضوع اقامة حكومة فلسطينية حلما تحقق بعد ان كان يراود الكثير من الفلسطينيين. واخيرا، فقد اصبح بإمكان الفلسطينيين ممن عاشوا تحت الاحتلال منذ سنة 1967، ان يتخلصوا من قمع الحكم العسكري الإسرائيلي وان يحكموا انفسهم. لقد استجاب الفلسطينيون واقبلوا على تسلم المناصب في كيانهم الجديد وافتخروا باقامة المؤسسات على الرغم من العقبات التي وضعتها إسرائيل في وجههم. وفي حين كانت المفاوضات المتفق عليها بمقتضى اوسلو تسير ببطء شديد اصبحت عقبات اسرائيل تزداد شدة وصعوبة.

بعد مرور اكثر من عقدين، لم ينتج عن المحادثات اي تقدم يذكر. لقد شاركت شخصيا ولعدة سنوات في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، ويمكنني ان اشهد بانها كانت مفاوضات عقيمة وعبثية. لقد كان المفاوضون الفلسطينيون، والذين كانوا دوما بحاجة الى تصاريح لدخول اسرائيل كي يشاركوا في المحادثات، يحتجزون وبشكل روتيني على نقاط التفتيش الاسرائيلية. وحينما كنا نذكر القانون الدولي ونتناول موضوع عدم شرعية المستوطنات، كان المفاوضون الإسرائيليون يضحكون في وجوهنا بسخرية.

وكانوا يقولون لنا: القوة هي كل شيء وأنتم ليس لديكم منها شيئا.

اصبح واضحا مع مرور الوقت ان ميزانية السلطة واولوياتها كانت توجه بشكل اساسي نحو ابقاء الفلسطينيين واحدا من اكثر الشعوب خضوعا للمراقبة والسيطرة. في الحقيقة، لقد عملت السلطة الفلسطينية مقاولا بالباطن لدى الاحتلال العسكري الإسرائيلي. لقد قيل لنا ان التركيز الكلي على الامن كان ضروريا لاستمرار محادثات السلام. واليوم، يتم انفاق ثلث ميزانية السلطة البالغة اجمالا 4 مليارات دولار، على اجهزة الشرطة، وهذا يعتبر اكثر بكثير مما ينفق على الصحة والتعليم معا.

قوات الامن هذه لا تقدم خدمة شرطية اعتيادية للفلسطينيين ولكن بدلا من ذلك تقوم بمساعدة الجيش الاسرائيلي في استمرار الاحتلال وتوسع المستوطنات الاسرائيلية. لم ينتج عن "التعاون الأمني" بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية والذي يحظى بالاشادة دوليا سوى اعتقال وسجن الفلسطينيين بما في ذلك نشطاء حقوق الإنسان السلميين، بينما يسمح للمستوطنين الإسرائيليين المسلحين والعنيفين بترهيب الفلسطينيين دون مساءلة او عقاب. ليس للسلطة الفلسطينية اية سلطة تذكر على المستوطنين، بينما الجيش الإسرائيلي يغض بصره عن ممارسات هؤلاء المستوطنين وعنفهم تجاه الفلسطينيين.

السلطة باتت دولة افتراضية بوليسية

لم يعد الهدف اليوم من وجود السلطة الفلسطينية هو تحرير فلسطين، وانما كتم انفاس الفلسطينيين وقمع الآراء المخالفة بينما تواصل اسرائيل سرقة اراضي الفلسطينيين وهدم منازلهم وبناء وتوسيع المستوطنات. وبدلا من ان تصبح دولة ذات سيادة كاملة، تحولت السلطة الفلسطينية الى ما يشبه دولة بوليسية، وديكتاتورية افتراضية برعاية وتمويل المجتمع الدولي.

في عهد الرئيس عباس، حصل الانقسام، وتعطل التشريعي

بالنظر الى زعيمها، السيد محمود عباس البالغ من العمر اثنتين وثمانين سنة، والذي يسيطر على السلطة منذ اكثر من اثنتي عشرة سنة، تجده يحكم غالبا عبر مراسيم رئاسية دون مرجعية انتخابية. لقد شهدت قيادته بعضا من اسوأ ايام التاريخ الفلسطيني، بما يشمل الانقسام الكارثي الذي مر عليه عشرة اعوام، ذلك الانقسام بين حزب السيد عباس وهو حركة فتح من جهة وحركة حماس من جهة اخرى، اللاعب الرئيس الاخر في السياسة الفلسطينية، فضلا عن ثلاثة حروب مدمرة شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة.

في عهده الرئاسي اصبح المجلس التشريعي الفلسطيني في حالة احتضار وبلا اي قيمة. الكثير من الفلسطينيين لم يقوموا بالانتخاب ابدا في حياتهم سواء في انتخابات رئاسية او انتخابات تشريعية لان السيد عباس فشل في اجراء الانتخابات، رغم ان القانون الاساسي للسلطة الفلسطينية يؤكد على هكذا انتخابات. تشير استطلاعات الراي الاخيرة الى ان شعبية السيد عباس في ادنى مستوياتها على الاطلاق، الى الحد الذي يشعر فيه ثلثي الفلسطينيين بغاية السخط تجاهه ويطالبونه بالاستقالة.

لا يؤمن عدد كبير من الفلسطينيين الان بجدوى المفاوضات وبأنها يمكن ان تؤمن لهم حريتهم. تقوم السلطة الفلسطينية بمأسسة تطفلها على المانحين الدوليين، وهو ما يقيد يدي السلطة ويفرض عليها بالتالي قيودا والتزامات سياسية. تبعا لتلك القيود، يتحتم على الفلسطينيين الاخذ بعين الاعتبار التبعات المالية المحتملة عند التفكير باي جراء بسيط مثل اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة إسرائيل على بنائها للمستوطنات غير القانونية.

آلية جديدة مطلوبة للانعتاق من قيود المانحين

من اجل الانعتاق من هذا الحبل الذي يشد الخناق على الفلسطينيين، يجب استبدال السلطة بآلية جديدة لصنع القرار تستند الى المجتمع شبيهة بما كان موجودا قبل اقامة هذا الكيان. ويجب علينا إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وهي كياننا السياسي الرئيس، والتي يتزعمها السيد عباس ايضا. على المنظمة ان تصبح اكثر تمثيلا للشعب الفلسطيني ولاحزابه السياسية، بما في ذلك حركة حماس. لقد عبرت حركة حماس منذ زمن عن رغبتها في ان تنضم الى منظمة التحرير، وقد على ذلك مؤخرا من خلال ميثاقها الجديد الذي اعلنته في الدوحة.

بما ان عملية المفاوضات قد ماتت، لماذا يجبر الفلسطيني على التمسك بالسلطة الفلسطينية، والتي ساهمت في تقويض واضعاف مكانة نضالهم الطويل في سبيل تحقيق العدالة، بل وساهمت أيضا في انقسامهم؟

حل السلطة واعادة دفة القيادة لمنظمة التحرير

مع الاخذ بعين الاعتبار ان نحو 150 الف موظف عمومي يعتمدون على السلطة في تلقي رواتبهم، فانني ادرك تمام الادراك ان حل السلطة لن يكون امر سهلا يخلو من الألم والمعاناة. ولكن بالفعل لم يتبقى امامنا سوى هذا السبيل نحو استعادة كرامتنا واستقلال قرارنا الفلسطيني. ان اصلاح منظمة التحرير واستعادة مصداقيتها، يؤهلها بالتالي لتكون قادرة على جمع الاموال من الفلسطينيين انفسهم ومن الدول الصديقة لدعم اولئك الذين يعيشون تحت الاحتلال، وهذا ما كانت المنظمة تفعله قبل عملية أوسلو.

ربما يبدو الامر للبعض اننا بهذا الكلام نتنازل عن الحلم الوطني بالحكم الذاتي. في الحقيقة ليس الامر كذلك. فمن خلال حل السلطة يمكن للفلسطينيين مواجهه الاحتلال الاسرائيلي مرة اخرى بطريقة استراتيجية بدلا من الركون الى جهود السيد عباس الرمزية لاقامة الدولة. يتطلب ذلك دعم المبادرات المجتمعية التي تنظم الاحتجاجات الشعبية السلمية المطالبة بمقاطعة اسرائيل وبسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، مثل المبادرات التي نجحت في انهاء التمييز العنصري في جنوب افريقيا.

ربما تعني الاستراتيجية الجديدة المطالبة بحقوق متساوية ضمن دولة واحدة، وهو حل اكثر عدلا واسهل تحقيقا من عملية سلام يدعمها الامريكيون والتي تصور الوضع بان السلام يمكن تحقيقه دون ضمان حقوق اللاجئين الفلسطينيين وحقوق الفلسطينيين من مواطني اسرائيل. لقد اصبح اكثر من ثلث الفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق المحتلة اليوم يؤيدون حل الدولة الواحدة رغم انه لا يوجد أي حزب سياسي رئيسي يتبني هذه السياسة.

من خلال حل السلطة الفلسطينية واصلاح منظمة التحرير سوف يصبح بالإمكان الاستماع الى ارادة الفلسطينيين الحقيقة، وسواء كان المطلوب في نهاية المطاف حل دولتين او دولة واحدة، فان من حق هذا الجيل من الفلسطينيين ان يقرر بخصوص.

عن نيويورك تايمز ، ترجمة ناصر العيسة

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير