ربع قرن..وعُمَر مطارداً

29.12.2015 10:31 PM

وطن - كتب: طارق عسراوي:كما صعد الإسم عالياً، وأضاء ليل حديثنا، قبل خمسة وعشرين عاماً، ها هو يعودُ للعلن مرّة أخرى، ويمنح الحكايات وهجاً ووجعاً وأمنيات بالخلاص!

قام ثلاثة شبّان بالاختباء في ثوب البلدة القديمة، في العام ١٩٨٦ قبل اعتقالهم من قبل جيش الاحتلال في القدس، وصل الخبر سريعاً إلى جنين، كان قلقُ المدينة واضحاً من الأنباء المتضاربة حول إصابة أحد الاشقاء، وقالوا بعدها أن عمر وشقيقه حمزه الزايد وصديقهم سامر المحروم اتّهموا بتنفيذ عمليّة في القدس وحُكِموا بالسجن المؤبّد لكل منهما.

ما زلتُ أذكر، حينَ وقفت مركبات الجنود في شارع السكّه، وترجّل منها جنودٌ لا يشبهون سحنة البلاد، في عيونهم حذر ويفتّشون في عيون أطفال الحيّ وسكّانه المتجمّعين لمشاهدة الحدث الجلل.

يومها قامت قوّة من جيش الاحتلال بإغلاق منزل أبناء حارتنا بالشمع الأحمر، ولمّا انصرف الجنود ركضنا لنفهم ماهيّة الشمع الأحمر! 

ما أنْ خَمَدت جمرة الحدث على ألسنة الناس حتى تأججت مرة أخرى، لقد أججها عمر بماء وملح، وضجّت المدينة بإسمه، لقد فرّ من قبضة السجن المؤبد وإختفى!

وبإختفاءه صار ذِكرُ اسمه همساً، كأنّ إحساساً عامّاً أصاب أهل المدينة بضرورة الهمس عند السؤال عن عمر، وأظنّ أنّ الغالبيّة أسقطت الحكاية من التداول لتساهم في تخبئته عن عيون الاحتلال المترصّدة لطرف خيط يدلّ بنادقها عليه.

خمسة وعشرون عاماً، بقي فيها عمر ظلّا للحكاية، وقضاها شقيقه حمزه ورفيقهم سامر خلف القضبان.

حمزه الذي أُبعِدَ في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة بقي مُبعداً، وسامر الذي ما لبث أن عانق مرج ابن عامر حتى نكث الاحتلال باتفاق الصفقة واعتقله مجدداً وأعاده لحكم المؤبّد.

أمّا عمر، فله اليوم حكاية أخرى، بل له أن نتمّم حكايته التي أنقصها الناس عمداً وحرصاً!

حكاية لا تتطلّب ذكر اسمه همساً هذه المرّة بل بحنجرة من رعد وبصوت مرتفع جداً، فبعد ربع قرن من الإخفاء المقصود، كسرت مطرقة المنفى قشرة الكلس وطلّت الحكاية برأسها للشمس.

عمر الذي خاض إضرابه عن الطعام في غياهب الظلم والعتمة خلف القضبان حتى نُقل للعلاج، فرّ في مطلع العام ١٩٩٠ من المشفى وأخفته قبّعة الفدائي الساحر عن عيون الاحتلال حتى وصل إلى بلغاريا في عام ١٩٩٤، تزوّج ورزق بالابناء وعاش في ظلّ قباب القضيّة حتى جفّ ذكره عن ألسنة الناس.

قبل أيّام، تقدّم الاحتلال بطلب للسلطات البلغاريّة لتسليم عمر باعتباره فاراً من عدالة الظلم الاخير، وآخر احتلالات الكرة الارضيّة، ولغة المصالح والسياسة لا تكترث بانسانيّة الفلسطيني، ولا بأسباب نضاله وقد غابت أدواته الرادعة، ولا يهمّها أن قضاة تقطر أنيابهم وأسلحتهم بدماء الأطفال ولم يخلعوا عنهم ثيابهم العسكريّة هم من أصدروا أحكامهم على ثلاثة شبّان بعمر النسيم، ولم تشكلّ اتفاقات السلام اللاحقة أو ملاحقها سبباً يمنع الأمن البلغاري من مطاردة عمر، وهكذا عاد عمر بعد ربع قرن مطارداً، فهل من فدائي ساحر يُخفي عمر والحكاية عن عين الاحتلال الدمويّة مرّة أخرى؟

أم أن الفكرة هرمت، وبات الخلاص مستحيلاً؟

أمّ أنّ في الحكاية ما بقي مبهماً، تفككه قادم الأيام؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير