حكومة التوافق بين الدستورية والضرورة الوطنية.. بقلم جهاد حرب

10.02.2012 07:30 PM
أثار الاتفاق على تولي الرئيس محمود عباس رئاسة الوزراء وفقا لما جاء في اتفاق الدوحة نقاشا حادا ما بين الباحثين عن دستورية تولي الرئيس رئاسة الحكومة وبين المعارضين سواء بين الأحزاب والفصائل أو بين تيارات أو أطراف داخل الحزب الواحد وكذلك بين القانونيين والمحللين.

فمن باحث عن نص في القانون الأساسي لا يشير إلى التعارض وبين مفند أو عارض لنص يستبعد امكانية الجمع بين المنصبين؛ كأننا عدنا إلى بداية الأزمة السياسية عام 2006 الذي انبرى خلالها قطبي الحالة السياسية لتبرير موافقه السياسية بنصوص دستورية وقانونية، وكأن الحالة الفلسطينية فيها شيء من الدستورية بعد الانقسام! وهنا ينبغي النظر للحكومة التوافقية من منظورين مختلفين الأول يتعلق بالجانب الدستوري والثاني يتعلق بالجانب السياسي للأزمة الوطنية الفلسطينية.

(1) حكومة التوافق وعدم الدستورية
تمت اثارة العديد من الملاحظات تتعلق باجراءات شكلية من جهة وأخرى موضوعية؛ وهنا لن يتم تناول الاجراءات الشكلية من قبيل كيف سيكلف الرئيس نفسه وفقا لأحكام المادة 45 من القانون الأساسي وأمام من سيحلف اليمين. لأنه باعتقادي أن الاشكالية الأكبر في المجال الدستوري تتعلق بقضيتين موضوعيتين الأولى هي تجاوز غاية المشرع في التعديل الدستوري لعام 2003 والثانية بقدرة المجلس التشريعي على المساءلة والرقابة للحكومة.

أ‌- تجاوز غاية المشرع الدستوري
قامت فلسفة التعديل الدستوري عام 2003 القاضي بفصل منصبي رئاسة السلطة الفلسطينية ومنصب رئاسة الحكومة على أساس تطوير بنية النظام السياسي الفلسطيني بتحويله من نظام رئاسي فردي إلى نظام مختلط رئاسي – برلماني يميل بشكل أكبر إلى النظام البرلماني. وفي هذا الاطار، فإن حكومة التوافق الوطني بصيغة اتفاق الدوحة تتنافى مع غاية المشروع فيما يتعلق بفصل المنصبين ويعيد النظام السياسي إلى ما كان عليه قبل التعديل الدستوري عام 2003 حيث كان يشكل الرئيس مجلس الوزراء ويتولى رئاسته.

ب‌- عدم قدرة المجلس التشريعي على المساءلة
تطرح مسألة دمج منصبي رئيس السلطة ورئاسة الحكومة مدى قدرة المجلس التشريعي على مساءلة رئيس الحكومة في الوقت الذي يكون فيه رئيس السلطة المنتخب من قبل الشعب ولا توجد هناك نصوص دستورية تخول المجلس التشريعي مساءلته. فقد كفل التعديل الدستوري لعام 2003 أدوات رقابة ومساءلة هامة للمجلس التشريعي في مواجهة الحكومة. كما عزز قدرة المجلس التشريعي في الرقابة والمساءلة على اثره.
واعتقد، والحالة هذه، لن يتمكن المجلس التشريعي من مساءلة الحكومة خاصة فيما يتعلق بالمسؤولية السياسية والمسؤولية التضامنية لمجلس الوزراء ( أي انتفاء قدرة المجلس التشريعي على حجب الثقة عن الحكومة.

(2) الأزمة الوطنية والحكومة التوافقية
في خضم النقاش الحاد والفعل ورد الفعل يتناسى أو تغيب عن الذهن واقع الحال الدستوري للبلاد، فهل نحن في وضع يمكن أن يقال عنه دستوري وما هو الوصف الطبيعي للحالة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وهل ما أحدثه الانقسام ينسجم مع أحكام القانون الاساسي.
وهنا يبرز الحديث عن الحكومة الفعلية التي يمكن تعريفها بأنها هي تلك الحكومة التي لا تستند في إقامتها بالضرورة إلى أحكام دستورية أو قانونية، وهي تكون بعد ثورة أو انقلاب. وفي حالتنا الفلسطينية بعد اتفاق فصائلي على اقامتها بعيدا عن احترام القواعد الدستورية المُحددة في القانون الأساسي والناظمة لاقامة الحكومة، وقد تسمى حكومة انقاذ وطني.

أ‌- الانقسام والحكومة الفعلية
يشير واقع الحال إلى وجود حكومة فعلية تقوم بإدارة البلاد حيث تتجسد صورها بحالتيين أسياسيتين هما:

1) إثر الانقسام تشكلت في فلسطين حكومتين الاولى: الحكومة "الثالثة عشرة" في الضفة الغربية برئاسة د.سلام فياض، والثانية: الحكومة "المقالة" في قطاع غزة. وهما حكومتان لا تنسجمان مع أحكام القانون الأساسي فالأولى لم تحصل على ثقة المجلس التشريعي المعطل، والثانية قامت باجراء تعديلات على أعضاء الحكومة دون حلف اليمين الدستوري أمام رئيس السلطة الفلسطينية. وبقيتا تديران شؤون المواطنين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة على مدار السنوات الخمس.

2) وفي 25/1/2010 انتهت ولاية المؤسسات السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية (رئيس السلطة الوطنية الذي انتخب بداية عام 2005، والمجلس التشريعي الذي انتخب بداية عام 2006) وفقا لأحكام القانون الأساسي؛ حيث تنص المادة 36 من القانون الأساسي على أن "مدة رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية هي أربع سنوات". كما تنص المادة 47 على أن " مدة المجلس التشريعي أربع سنوات من تاريخ انتخابة وتجرى الانتخابات مرة كل أربع سنوات بصورة دورية".
تفيد هذه النصوص أن بقاء كل من رئيس السلطة الوطنية وأعضاء المجلس التشريعي في مناصبهم هم غير دستوريين، وبالتالي استمرار ممارستهم لهذه المهام هو أمر فعلي لا يتعلق بالدستورية وهو أشبه بحالة مجلس النواب اللبناني الذي استمر أعضائه لأكثر من 20 سنة بسبب الحرب الأهلية اللبنانية.

ب‌- المصالحة وضرورة الحكومة الفعلية
منذ خمس سنوات، تحكم البلاد حكومتان فعليتان منقسمتان في الضفة الغربية وقطاع غزة نشأتا إثر الانقسام، وهذا الانقسام بالتأكيد يزيد من الاختلافات المجتمعية والاجتماعية منها والاقتصادية والثقافية ما بين الشرائح الاجتماعية، كما انه يعمق الفشل الذي يواجه الشعب في الميادين السياسية والاقتصادية، بالاضافة الى استفراد اسرائيل في كل اقليم جغرافي على حدة حصار على القطاع، واستيطان وتهويد في الضفة.

تكمن أهمية اقامة الحكومة الفعليه التوافقية "الانفاذ الوطني" موحدة لادارة البلاد ليس فقط؛ لاستعادة الوحدة بين الضفة والقطاع، ومواجهة الفشل الفلسطيني في الأمم المتحدة، أو حل الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، ورفع الحصار عن قطاع غزة وإعماره وإعادة الانتعاش الاقتصادي وحرية الحركة لسكانه، بل هي ضرورة للحفاظ على الكيانية الفلسطينية التي دونها يفقد الشعب هويته الوطنية وقدرته على مواجهة الحكومات الاسرائيلية في طريقه لانهاء الاحتلال.

وقد يكون مفيد النظر الى تجارب الدول الآخرى في ادارة شؤونها في حالات مشابهه أي في حالات الأزمة الوطنية؛ ففي مصر تولى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد 5 حزيران/ يونيو 1967 رئاسة مجلس الوزراء وكذلك فعل الرئيس أنور السادات في نهاية حكمه (مستندين في ذلك إلى حالة الحرب مما أدى إلى تعطيل نص المادة 131 من دستور سنة 1964 الخاص بتكوين الحكومة من رئيس الوزراء حيث يدير رئيس الوزراء أعمال الحكومة ويرأس مجلس الوزراء)، كما أن المعارضة في اسرائيل تتوحد مع الحكومة في حالة الأزمة أو الحرب كما حدث إبان العدوان على قطاع غزة عام 2009.

وإذا كان الهدف من انشاء الحكومة التوافقية الفعلية "حكومة إنقاذ وطني" التي باتت ضرورة لا مفر منها لإنهاء الأزمة الوطنية والحالة غير الطبيعية للوضع الفلسطيني، وبغض النظر عن تجاوز نصوص القانون الأساسي وروحه. لكن لا بد من إعلانها أولا أنها ستحترم وتلتزم بأحكام القانون الأساسي خاصة تلك المتعلقة بالحريات العامة وتعزيزها بالاضافة الى البدء باعادة اعمار قطاع غزة وإنجاز الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني) وصولا لاستعادة توحيد المؤسسات وإنهاء آثار الانقسام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير